في يوم من الأيام أقيم مؤتمر قمة إسلامي كبير دعا إليه عدد من كبار العلماء والدعاة والمشايخ من شتى بقاع الأرض كان مؤتمرا يضم نخبة من خيرة العقول والقلوب في العالم الإسلامي رجال عرفوا بالعلم والورع والبلاغة وقد أوكلت رئاسة هذا المؤتمر إلى أحد العلماء المعروفين بسعة علمه وغزارة فكره وكثرة مؤلفاته إلا أن بعض من حضروا قالوا إن في قلبه شيئا من العجب ربما لم يشعر به هو نفسه لكنه كان يظهر في طريقته حين يتحدث وكأنه يرى نفسه فوق غيره بدرجة وكأنه يظن أن ما عنده من العلم يكفيه عن الاستزادة والسؤال.
كان من بين الحضور الإمام الجليل والعالم الرباني الشيخ محمد متولي الشعراوي رحمه الله الذي كان في زمانه نجما من نجوم العلم والإيمان وصوتا يجمع بين البلاغة والتواضع وبين العلم والفهم العميق للقرآن الكريم وكان إذا جلس في مجلس علم ألقى الله في كلامه نورا يجعل القلوب تميل إليه قبل العقول. جلس الشعراوي في ذلك المؤتمر هادئا متواضعا كعادته ينصت أكثر مما يتحدث يتأمل في وجوه العلماء ويراقب بحكمته ما يدور في النفوس. لاحظ الإمام أن رئيس المؤتمر يتحدث بثقة زائدة عن الحد وكأنه يلقي العلم من أعلى على الناس فابتسم الشعراوي في نفسه وقال العلم لا يرفع من تكبر به بل يرفعه من تواضع له.
وفي اليوم الأول من المؤتمر وبعد أن أنهى رئيس الجلسة كلمته الطويلة التي تحدث فيها عن علوم الشريعة وتاريخ الفقه الإسلامي وقف الشيخ الشعراوي في هدوء تام وصعد إلى المنصة فتوجهت إليه الأبصار في لحظة واحدة فحضوره كان مهيبا وكأن النور يسير أمامه.
رفع رأسه وقال بصوت هادئ لكنه مفعم بالهيبة "أيها الإخوة الكرام أريد أن أطرح عليكم سؤالا بسيطا في ظاهره لكنه عظيم في معناه فمن منكم يجيبني عليه" ساد الصمت أرجاء القاعة وبدأ الجميع يترقب السؤال فقال الإمام "أين ذهب ماء غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ۏفاته"
ساد صمت ثقيل لم يسمع بعده إلا أنفاس العلماء الذين جلسوا يتبادلون النظرات ووجوههم تملؤها الحيرة.
بعضهم حاول أن يتذكر ما قرأ في كتب السيرة أو الحديث وآخرون فكروا في إجابات منطقية لكن لا أحد استطاع أن ينطق بكلمة واحدة حتى رئيس المؤتمر نفسه جلس مذهولا وقد بدا عليه الارتباك الشديد فقد ظن أنه قادر على الإجابة عن أي سؤال لكنه أمام هذا السؤال شعر بالعجز لأول مرة. رفع رأسه وقال محاولا الخروج من الموقف "يا شيخنا الجليل اسمح لنا أن نبحث في هذا الأمر الليلة وسنجيبك غدا إن شاء الله". ابتسم الشعراوي وقال بهدوء كما تشاء.
عاد رئيس المؤتمر إلى بيته ولكنه لم يستطع أن يرتاح أو يتناول طعامه. جلس في مكتبه الكبير بين رفوف الكتب الكثيرة وبدأ يقلب في كتب السيرة النبوية يبحث في كل صفحة عن ذكر لماء غسل الرسول صلى الله عليه وسلم يسأل نفسه وهو يقرأ هل دفنوا الماء هل تركوه يجف هل ورد في الأحاديث ما يخصه كان يبحث بعين مرهقة وقلب مضطرب وكلما قرأ أكثر ازداد حيرة.
قضى ساعات طويلة وهو يغوص بين الكتب والمجلدات حتى أنه نسي نفسه ونسي الوقت. بدأت عيناه تثقلان من التعب وبدأت الحروف تتراقص أمامه من شدة الإرهاق فسقط رأسه على الكتاب الذي كان يقرأ فيه وغلبه النوم.
وفي نومه رأى رؤية عجيبة كأنها ليست حلما بل حقيقة مملوءة بالنور والسکينة. رأى نفسه في مكان عجيب كأن الأرض من نور والسماء تضيء من فوقه ورأى أمامه رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه المشرق كالقمر ليلة البدر محاطا بنور عظيم يملأ القلب خشوعا وسلاما. وقف رئيس المؤتمر مذهولا لا يكاد يصدق ما يرى فتقدم بخطوات مرتجفة وهو يقول بصوت يختلط بين الخۏف والرجاء "يا رسول الله يا حبيب الله جئتك أسألك عن أمر حيرني أين ذهب ماء غسلك الشريف حين ووريت جسدك الطاهر "فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم ابتسامة هادئة رحيمة تملأ القلب طمأنينة ثم نظر إلى رجل كان يقف بجانبه يحمل قنديلا مضيئا كأنه شعلة من نور فأشار إليه النبي بيده إشارة لطيفة كأنه يأذن له بالكلام.
نظر الرجل إلى رئيس المؤتمر وقال بصوت عذب عميق كأنه موسيقى سماوية "ماء غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يترك في الأرض بل تبخر وصعد إلى السماء ثم عاد إلى الأرض على هيئة أمطار مباركة وكل قطرة من تلك الأمطار بني مكانها مسجد فكل مسجد في الأرض نزلت عليه بركة من ذلك الماء الطاهر". غمرته الدهشة والفرحة في آن واحد وسجد في المنام وهو يبكي من روعة ما سمع ثم استيقظ من نومه وهو يشعر وكأن روحه ما زالت في ذلك المكان النوراني. قام من فراشه مسرعا توضأ وصلى ركعتين شكرا لله ثم جلس يبكي بخشوع طويل وهو يردد اللهم لك الحمد لقد رأيت رسولك وعرفت الإجابة.
وفي الصباح ذهب إلى المؤتمر وهو يحمل في قلبه فرحة عظيمة ينتظر اللحظة التي سيذكر فيها الشعراوي سؤاله من جديد ليجيب بفخر. جلس في مكانه طوال الجلسة ينتظر لكن الشيخ الشعراوي لم يتحدث عن السؤال وكأنه نسيه تماما. بدأ رئيس المؤتمر يتململ في مكانه ينتظر الفرصة حتى انتهت الجلسة الثانية للمؤتمر. فقام وقال أمام الجميع "يا شيخنا الجليل لقد سألتنا بالأمس سؤالا عظيما ألا تريد أن تعرف إجابته اليوم "فابتسم الشيخ الشعراوي ابتسامة هادئة وقال "وهل عرفت الإجابة" قال الرجل بثقة وسعادة "نعم بفضل الله ثم ببركة رؤيا رأيتها".
فقال الشعراوي وهو ينظر إليه نظرة عميقة تخترق القلب "فقل لنا إذا أين ذهب ماء غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم "فقال رئيس المؤتمر بصوت مفعم بالعاطفة "لقد تبخر وصعد إلى السماء ثم نزل على هيئة أمطار وكل قطرة بني مكانها مسجد".
نظر إليه الشعراوي نظرة رضا وسأله بهدوء "وكيف عرفت ذلك" فقال رئيس المؤتمر مبتسما" لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأخبرني بذلك بنفسه". فسكت الشعراوي لحظة ثم قال بهدوء عجيب "بل الذي أجابك هو حامل القنديل أليس كذلك" تجمد الرجل في مكانه واندهش حتى كاد قلبه يتوقف من المفاجأة وقال بصوت مرتعش "والله إنه كما قلت رسول الله كان بجانبه رجل يحمل قنديلا وهو من أجابني... ولكن كيف علمت بذلك!" فابتسم الإمام الشعراوي وقال كلمته التي هزت القاعة هزا "يا أخي أنا حامل القنديل."
في تلك اللحظة سقطت الدموع من أعين العلماء وأحس كل من في القاعة بأنهم أمام رجل ليس كأي رجل بل أمام روح طاهرة متصلة بالله ملهمة من نور السماء. شعر رئيس المؤتمر أنه أمام بحر من الإيمان والصفاء وتمنى لو أنه ينحني أمام هذا العالم الجليل ليقبل يده. جلس بعدها وقد تغيرت نظرته إلى الدنيا وإلى نفسه وعرف أن العلم الحقيقي ليس ما يحفظ في الكتب بل ما يلهمه الله لعباده المخلصين.
ويروي هذا الموقف رئيس المؤتمر نفسه بعد أعوام طويلة وهو يقول ما رأيت في حياتي مشهدا جعلني أشعر بضآلة نفسي كما شعرت يومها أمام الإمام الشعراوي. لقد علمني درسا في التواضع وفي معنى الولاية الصادقة علمني أن الله يرفع من يشاء بعلمه ونوره وأن العبد كلما ازداد تواضعا ازداد قربا من الله. رحم الله الإمام محمد متولي الشعراوي العالم الرباني الذي جمع بين نور العلم وصفاء القلب وبين الحكمة والبصيرة فكان من العلماء الذين إذا نظر إليهم الناس تذكروا الله. لقد ترك للأمة إرثا من النور والمعرفة سيبقى خالدا إلى يوم الدين وجعل الله ذكره
في عليين وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء وجمعنا به في دار الكرامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.