تفسير قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا...﴾
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ﴿30﴾ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ ﴿31﴾ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت: 30 - 32].
معاني الكلمات الواردة في الآيات:
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾؛ أي وَحْدَهُ لا شريك له، وبَرِؤُوا من الآلهة والأنداد، ﴿ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ على توحيد الله، ولم يخلطوا توحيد الله بشرك غيره به، وانتهوا إلى طاعته فيما أمر ونهى، ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ تتهبَّط عليهم الملائكة عند نزول الموت بهم، قائلة ﴿أَلَّا تَخَافُوا﴾؛ أي: ممَّا تقدمون عليه من أمر الآخرة، فإنَّ للآخرة أهوالًا عظيمة تبدأ من القبر، فهو أوَّل منازل الآخرة، فهناك القبر وظلمته وضمَّته ووحشته، والنفخ في الصور، وعرصات يوم القيامة، والصراط، والميزان، كل هذه الأهوال يهوِّنها الله على أهل الاستقامة، قال ثابت: بلغنا أنّ العبد المؤمن حين يبعثه الله من قبره يتلقاه ملكان اللذان كانا معه في الدنيا، فيقولان له: لا تخف ولا تحزن، فيؤمن الله خوفه ويقرُّ عينه فما من عظيمة يخشى الناس منها يوم القيامة، إلا وهي للمؤمن قرَّة عين لما هداه الله، ولِمَا كان يعمل له في الدنيا، ﴿وَلَا تَحْزَنُوا﴾؛ أي على ما خلفتموه من أمر الدنيا من ولد وأهل ومال ودين، فإنّا نخلفكم في ذلك كلّه، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾؛ أي: وسُرُّوا بأنّ لكم في الآخرة الجنة التي كنتم توعدونها في الدنيا على إيمانكم بالله، واستقامتكم على طاعته، ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾؛ أي تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار نحن كنّا أولياءَكم في الحياة الدنيا؛ أي: قرناءكم في الحياة الدنيا، نُسددكم ونوفِّقكم، ونحفظكم بأمر الله، وكذلك نكون معكم في الآخرة نؤنس منكم الوحشة في القبور وعند النفخة في الصور، ونؤمنكم يوم البعث والنشور، ونجاوز بكم الصراط المستقيم، ونوصلكم إلى جنات النعيم، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ﴾؛ أي ولكم في الجنّة عند الله من جميع ما تختارون ممّا تشتهيه النفوس وتقرّ به العيون، ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ﴾، ولكم في الجنّة ما تطلبون؛ أي: مهما طلبتم وجدتم، وحضر بين أيديكم كما اخترتم، ﴿نُزُلًا﴾؛ أي فضلًا، ورزقًا، وضيافة وعطاء، وإنعامًا معدًّا لكم، ﴿مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾؛ أي من ربٍّ، ﴿غَفُورٍ﴾ لذنوبكم، ﴿ رَحِيمٍ﴾ بكم؛ حيث غفر وستر ورحم ولطف.
ومن فوائد الآيات:
• وجوب الاستقامة لله تعالى، ولأهميّتها ومكانتها في الدين جاء تفسيرها عن الخلفاء الأربعة ــــ رضي الله عنهم ــــ فقال أبو بكر ــــ رضى الله عنه ــــ: هي: عدم الإشراك بالله شيئًا، وقال عمر ــــ رضى الله عنه ــــ: استقاموا ــــ والله ــــ لله بطاعته، لم يرغوا روغان الثعالب، وقال عثمان ــــ رضى الله عنه ــــ: استقاموا أخلصوا العمل لله، وقال علي ــــ رضى الله عنه ــــ: أدوا الفرائض.
• وملخص هذه الأقوال كما قال القرطبي: اعتدلوا على طاعة الله عقدًا ﴿أي اعتقادًا﴾، وقولًا، وفعلًا، وداوموا على ذلك.
ومنها: أنّ الإيمان والاستقامة سبب الفوز بالجنّة.
ومنها: التنويه بشأن المؤمنين إذ الملائكة ينزلون من علوياتهم لأجلهم.
ومنها: تطمين الملائكة لأنفس المؤمنين عند الموت وفي القبر، وعند البعث فلا يكون المؤمن فازعًا من الأهوال، ومن الفزع الشديد بل يكون آمن القلب ساكن الصدر لقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾، فهو يفيد نفي الخوف والحزن على الإطلاق.
ومنها تعجيل مسرّة الفوز برضا الله للمؤمنين، وتذكيرهم بأعمالهم التي وعدوا عليها بالجنّة، ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ في الدنيا.
ومنها: حصول الأمن التام للمؤمن، وذلك بنفي الخوف والحزن عنه أوّلًا ثمّ ببشارته بالجنّة.
ومنها: تأنيس الملائكة للمؤمنين حين عرّف الملائكة بأنفسهم: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: أن الملك يتولى من يناسبه بالنصح له والإرشاد، والتثبيت والتعليم، وإلقاء الصواب على لسانه، ودفع عدوه عنه، والاستغفار له إذا زل، وتذكيره إذا نسي، وتسليته إذا حزن، وإلقاء السكينة في قلبه إذا خاف، وإيقاظه للصلاة إذا نام عنها، وإيعاد صاحبه بالخير، وحضه على التصديق بالوعد، وتحذيره من الركون إلى الدنيا، وتقصير أمله، وترغيبه فيما عند الله، فهو أنيسه في الوحدة، ووليه ومعلمه ومثبته، ومسكن جأشه، ومرغبه في الخير، ومحذره من الشر، يستغفر له إن أساء، ويدعو له بالثبات إن أحسن، وإن بات طاهرًا يذكر الله بات معه في شِعاره - ﴿وهو ثوبه الذي يلي جسده﴾ - فإن قصده عدو له بسوء وهو نائم دفَعه عنه، وهذا كلّه يتناوله الإطلاق في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
ومنها: كرم الله الواسع لأهل الإيمان والاستقامة إذ أعطوا ما يريدون ممّا تشتهيه نفوسهم، وتلذّ به أعينهم، بل وزيادة على ذلك قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق: 35].