• مركز التحميل

  • أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات هرقلة ستار | Hergla Star Forums، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





    الملاحظات

    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد


    • قصة قصيرة
    • -->
    16-06-2026 20:43
    معلومات الكاتب ▼
    إنضم في:
    24-03-2022
    رقم العضوية :
    1
    المشاركات :
    1691
    الدولة :
    تونس
    قوة السمعة :
    100

     أحيانًا لا تكافئك الأمانة في اللحظة نفسها.
    أحيانًا تحتاج إلى عطلة نهاية أسبوع كاملة حتى تعبر المدينة، وتراجع الكاميرات، وتقرأ العقود، ثم تعود صباح الاثنين ومعها ملف تحت ذراعها لتغيّر حياتك كلها.
    حاول الحاج أبو زيد أن يضحك.
    قال
    دكتورة، لا تنخدعين بالمظاهر. جاسم شاب زين، نعم، لكنه غير ملتزم. يتأخر، يطلب سلف، ويجيب المشاكل وياه. وإحنا عدنا شغل ومصلحة لازم نحافظ عليها.
    لم تلتفت الدكتورة هناء إليه.
    قالت بهدوء
    عندك عقد موقّع وياه؟
    رمش الحاج أبو زيد بعينيه مرتبكًا.
    عقد شنو؟
    عقد عمل. لجاسم. براتب، وساعات دوام، وضمان، وتأمين صحي.
    نظر الطباخون إلى بعضهم بصمت.
    أما أنا، فقد شعرت أن معدتي انقبضت.
    كنت أعمل منذ ما يقارب ثلاث سنوات في التوصيل لهذا المطعم. لم أرَ عقدًا يومًا. لم أحصل على إجازة. لم أستلم مكافأة كاملة. إذا تعطلت الدراجة، فالمشكلة مشكلتي. إذا وقعت في الطريق، فالأمر عليّ وحدي. وإذا مرض علي، كنت أبيع شيئًا من أغراضي.
    احمرّ وجه الحاج أبو زيد.
    هنا الكل يشتغل بالثقة دكتورة. هكذا يمشي الشغل بالعراق.
    فتحت الدكتورة هناء الملف.
    لا. هكذا يستغل بعض الناس غيرهم في العراق.
    كان الصمت الذي نزل بعدها أقوى من صوت المقالي داخل المطبخ.
    أم ميثم، الطباخة التي كانت تصل قبل الفجر لتحضير الرز والمرق، أنزلت نظرها إلى الأرض.
    وحيدر، المساعد الذي كان يقطع البصل حتى تدمع عيناه من البصل والتعب معًا، ترك السكين فوق لوح التقطيع. لم يتكلم أحد، لأننا جميعًا كنا نحتاج إلى العمل.
    أخرجت الدكتورة هناء ورقة من الملف.
    قالت
    إضافة إلى ذلك، راجعت الفواتير التي ترسلونها لنا. أنت تتقاضى بدل خدمة توصيل احترافية، وتأمين نقل، وتغليف حراري، وموظفين مسجلين ومدرّبين. لكن جاسم يسلّم الطلبات بدراجة بلا صيانة، بلا تأمين، وبلا أي تسجيل رسمي. أين ذهب هذا المال يا حاج أبو زيد؟
    ابتلع الحاج أبو زيد ريقه.
    هذه الأمور يتابعها المحاسب.
    قالت ببرود
    إذن سيتابعها المحامي أيضًا.
    في تلك اللحظة فهمت أنها لم تأتِ فقط لتعطيني فرصة عمل.
    كانت قد جاءت لتفتح بابًا ظل الحاج أبو زيد يغلقه علينا بالخوف لسنوات.
    حاول أن يغيّر نبرة صوته.
    قال
    جاسم، قل للدكتورة إننا وقفنا وياك هنا. نعطيك فرصة كلما ابنك يمرض.
    شعرت بوجهي يحترق.
    فرصة.
    هكذا كان يسمي خصم يوم كامل من راتبي إذا تأخرت عشرين دقيقة بعد أن آخذ علي إلى المركز الصحي.
    فرصة كانت تعني أن يقرضني خمسين ألف دينار ثم يخصم سبعين ألفًا بدل تعب.
    فرصة كانت تعني أن يجعلني أوصل طلبات إلى آخر بغداد تحت المطر، ثم يقول إن الإكرامية تدخل في حساب المطعم.
    نظرت إلي الدكتورة هناء.
    قالت
    جاسم، أنت غير مضطر أن ترد الآن. لكن عرضي حقيقي.
    شدّدت
    يدي على كيس الأدوية.
    قلت بصوت خافت
    وإذا الحاج أبو زيد طردني؟
    استدارت نحوه.
    قالت
    هذا لم يعد يعتمد عليه.
    أطلق الحاج أبو زيد ضحكة جافة.
    عفوًا؟
    قالت
    المطعم يعمل داخل محل تابع لشركتي، والعقد مشروط بالالتزام المهني والصحي وحقوق العاملين. من اليوم سيتم إيقاف تجديد العقد. وإذا أثبتت المراجعة ما رأيته، فلن تخسر فقط عقد الطعام معنا. ستخسر المحل أيضًا.
    صار وجه الحاج أبو زيد أبيض.
    وضعت أم ميثم يدها على فمها.
    أما أنا، فكنت بالكاد أتنفس.
    مدت لي الدكتورة هناء بطاقة أخرى، هذه المرة كان عليها عنوان في منطقة الجادرية.
    قالت
    غدًا الساعة التاسعة. قسم الموارد البشرية. أحضر بطاقتك الموحدة، وبطاقة السكن، وأي وصفة طبية لعلي، وأي ورقة تخص حالته الصحية. التأمين الصحي يبدأ بعد التسجيل، لكن اليوم عيادتنا الخاصة ستفحصه بلا أي كلفة.
    لم أعرف ماذا أفعل بكل هذه الكرامة التي جاءتني دفعة واحدة.
    رغبت أن أقول لها لا، هذا كثير، أنا لست شخصًا يصلح للمكاتب والشركات.
    لكنني تذكرت علي وهو يسعل فوق السرير، وتذكرت عينيه وهو ينتظر مني أن أخترع حلًا جديدًا.
    قلت
    سأذهب.
    خرج صوتي مكسورًا.
    نظر إلي الحاج أبو زيد وكأنني خنته.
    لم يفهم شيئًا.
    أنا لم أخنه.
    أنا فقط توقفت عن أن أكون ملكًا له.
    في ذلك العصر أخذت علي إلى عيادة خاصة قريبة من مدينة الطب في بغداد.
    وفي الطريق مررنا بين زحام السيارات، وأصوات الباعة، ومحال العصائر، ورائحة الكباب والدخان، وتلك المدينة التي تبدو كأنها لا تتوقف حتى عندما يحمل الإنسان روحه متعبة.
    كان علي ممسكًا بجاكتي الصغير بيده.
    سألني
    بابا، راح ياخذون من عدنا هواية فلوس؟
    آلمني أن يسأل طفل في السابعة عن المال قبل أن يسأل إن كان سيتحسن.
    قلت له
    لا حبيبي. اليوم لا.
    فحصته الطبيبة جيدًا. أعطوه جلسة بخار، ودواءً كاملًا، وورقة متابعة. شرحت لي كل شيء ببطء، دون أن تجعلني أشعر أنني لا أفهم. وبعد أن تحسن تنفس علي قليلًا، نظر إلي بابتسامة صغيرة.
    قال
    بابا... صدري ما عاد يصفر.
    خرجت إلى الممر وبكيت.
    لم أبكِ حزنًا.
    بكيت من شدة الراحة.
    في صباح اليوم التالي وصلت إلى عنوان الشركة في الجادرية مرتديًا أفضل قميص عندي. لم يكن فاخرًا، لكنه كان نظيفًا. كان المبنى كبيرًا، بواجهات زجاجية، وموظفة استقبال تتحدث بلطف، ورائحة قهوة طازجة في المكان. كنت أحمل أوراقي داخل ملف بلاستيكي كأنها كنوز.
    استقبلتني الدكتورة هناء في غرفة صغيرة.
    قالت
    قبل أن توقع، أريدك أن تقرأ كل شيء.
    أعطتني عقدًا.
    راتب ثابت.
    ساعات دوام.
    تأمين.
    مخصصات.
    مكافأة سنوية.
    إجازات.
    صندوق ادخار.
    دعم دراسي للأبناء.
    تدريب لإدارة فريق التوصيل.
    توقفت عيناي عند سطر واحد
    تأمين صحي عائلي تكميلي.
    رفعت رأسي
    وسألت
    هذا يشمل علي؟
    قالت
    نعم.
    حتى لو هو مريض من قبل؟
    قالت
    سنراجع التفاصيل مع شركة التأمين، لكنه
     لن يبقى بلا علاج. وهذا سأكتبه لك، ليس مجرد كلام.
    مكتوب.
    لم يعدني أحد في عملي يومًا بشيء مكتوب.
    وقّعت ويدي ترتجف.
    ثم أعطوني زيًا رسميًا، وخوذة جديدة، وبطاقة تعريف عليها اسمي الكامل
    جاسم عبد الرضا الخفاجي.
    بقيت أنظر إليها طويلًا.
    لسنوات كنت صاحب الدراجة، المندوب، أنت يا أخ، تعال. أما في تلك البطاقة، فقد كنت شخصًا له اسم.
    في ذلك اليوم نفسه طلبت مني الدكتورة هناء إذنًا بشيء آخر.
    قالت
    أريدك أن تقول ما تعرفه عن الحاج أبو زيد. ليس للانتقام. بل حتى تحصل أنت وزملاؤك على حقوقكم.
    خفت.
    قلت
    هو يعرف أين أسكن.
    قالت
    لهذا سنفعل ذلك مع محامٍ. ولهذا صار عندك عمل آخر.
    وهكذا بدأ الجزء الثاني من الحكاية.
    راجع محامي الدكتورة هناء رسائل الواتساب بيني وبين الحاج أبو زيد ساعات العمل، الطلبات، الخصومات، التوبيخ، والتهديدات. وجد أيضًا صورًا لرسائل كان يقول فيها إن الإكراميات تدخل لتعويض وقود المطعم، رغم أن الوقود كنت أدفعه أنا من جيبي. أم ميثم أحضرت دفاتر صغيرة كانت تسجل فيها ساعات العمل الإضافية. وحيدر أظهر وصولات رواتب ناقصة.
    كان الحاج أبو زيد يأخذ من مال الجميع.
    لم يكن صاحب عمل قاسيًا فقط.
    كان سارقًا يرتدي مريلة مطبخ.
    عندما وصلته أول ورقة إنذار، جاء يبحث عني عند غرفتي الصغيرة في الحي الشعبي. كنت أحمّم علي داخل طشت بلاستيكي.

    طرق الباب بقوة حتى فزع ابني.
    صرخ
    جاسم! افتح! لا تصير جبان!
    لم أفتح.
    اتصلت بالدكتورة هناء.
    بعد ربع ساعة وصلت دورية شرطة. ووصلت أيضًا أم رائد، جارتي في الغرفة المجاورة، وهي تحمل عصا مكنسة بيدها.
    قالت للحاج أبو زيد
    هنا ما تجي تصرخ على الولد. كافي استغلّيته سنين.
    غادر وهو يهدد.
    لكنني لم أخف منه كما كنت أخاف في السابق.
    الخوف يتغير عندما يعرف الإنسان أن هناك من يسنده.
    انتهت مراجعة المحل وكانت كفيلة بإغراقه أكثر. كانت هناك فواتير مضخمة، وعمال غير مسجلين، ومواد غذائية أرخص بكثير مما كان يتقاضاه، وحتى قائمة غرامات داخلية كان يخصمها منا لأسباب سخيفة الوصول متعرقًا، تمزق كيس، التأخر بسبب الزحام، طلب إذن للذهاب إلى الطبيب.
    ألغت الدكتورة هناء العقد.
    وأُغلق المطعم بعد أسبوع.
    لكنها لم تترك العمال في الشارع. عيّنت أم ميثم مشرفة على مطبخ الموظفين في إحدى شركاتها. وساعدت حيدر في الحصول على تدريب في مطبخ صناعي. وساعدت آخرين على تقديم شكاوى لاستعادة مستحقاتهم.
    حاول الحاج أبو زيد أن يقول إن الدكتورة هناء تبالغ بسبب سوار.
    عندها عرضت تسجيل كاميرا بيت المنصور.
    كان كل شيء واضحًا.
    أنا جالس على الرصيف والكيس بين يدي.
    أنا أفتح الصندوق.
    أنا أتجمد في مكاني طويلًا.
    أنا أضغط جرس الباب لأعيده.
    وكان يظهر أيضًا، من زاوية أخرى، وجهي
    عندما خرجت بلا أي مكافأة.
    قالت لي الدكتورة هناء بعد ذلك إن هذا المشهد هو الذي هزها أكثر.
    قالت
    رأيت رجلًا يفعل الصواب، ثم يعود إلى دراجة تكاد تنفد من الوقود. تلك الليلة لم أستطع النوم.
    لم أعرف ماذا أقول.
    نظرت من نافذة مكتبها إلى أشجار الشارع والسيارات التي تلمع تحت شمس بغداد.
    قالت
    والدي بدأ حياته يبيع السندويشات أمام معمل صغير. وكان يقول دائمًا الجوع يختبر الناس، أما السلطة فتكشف حقيقتهم. كنت أحتاج أن أعرف أي نوع من الشركات أطعمها بعقودي.
    الحاج أبو زيد كشف نفسه وحده.
    بعد شهر وصل أول راتب ثابت لي.
    لم يكن ثروة.
    لكنه كان مالي، نظيفًا، كاملًا. اشتريت مؤونة للبيت من السوق، ودفعت الإيجار المتأخر، وفتحت حساب توفير باسم علي. شرحت لي موظفة المصرف كيف أفصل مبلغًا للطوارئ. كنت أومئ برأسي كأنني أتعلم لغة جديدة.
    واشتريت أيضًا حقيبة مدرسية جديدة لابني.
    زرقاء.
    وعليها رسومات ديناصورات.
    عندما أعطيته إياها، احتضنها كأنها هدية عيد.
    سألني
    بابا، صرنا أغنياء؟
    ضحكت.
    قلت
    لا حبيبي. صرنا مرتبين.
    فكر قليلًا.
    وهذا أحسن؟
    قلت
    يدوم أكثر.
    بدأت الأيام تتغير. لم أعد أخرج صباحًا دون أن أعرف متى أعود. لم أعد أعيش على الإكراميات. لم أعد أتظاهر أن ظهري لا يؤلمني. بدأ علي علاجه الكامل، ولم يعد يغيب كثيرًا عن المدرسة. قالت لي معلمته إنها
    تراه أكثر هدوءًا.
    وأنا أيضًا صرت أهدأ.
    لكن الحياة لا تعطي نهاية جميلة دون أن تطلب منك خوفًا أخيرًا.
    في أحد الأيام، عندما خرجت من الشركة، رأيت الحاج أبو زيد ينتظرني قرب الدراجة الجديدة الخاصة بالعمل. كانت لحيته قد طالت، وعيناه ممتلئتين بالحقد.
    قال
    بسببك أغلقت شغلي.
    بقيت واقفًا.
    قلت
    لا. بسببك أنت.
    اقترب مني.
    قال
    صدّكت نفسك لأن عندك خوذة جديدة؟ تبقى نفس الفقير.
    في السابق، كانت هذه الجملة كفيلة بأن تجعلني أنزل رأسي.
    أما الآن، فقد فكرت بعلي وهو يتنفس بلا صفير. فكرت بعقدي. وبحساب التوفير. وباسمي على بطاقة العمل.
    قلت
    نعم. أنا نفس الشخص. ولهذا لم أحتفظ بالسوار.
    حاول أن يدفعني.
    لكن أفراد الأمن أوقفوه.
    خرجت الدكتورة هناء من المبنى ومعها شخصان من القسم القانوني. لم تصرخ. فقط سلّمته ورقة جديدة.
    قالت
    حاج أبو زيد، بالإضافة إلى الشكاوى العمالية، فُتح بلاغ بسبب التهديد ومحاولة ترهيب شاهد.
    سخر منها.
    شاهد على شنو؟ على أن الكل كان يشتغل برغبته؟
    أخرجت الدكتورة هناء ورقة أخيرة.
    قالت
    على أنك كنت تتقاضى من شركتي بدل تأمين حوادث لمندوبي التوصيل لمدة سنتين، ولم تصدر أي وثيقة تأمين لهم.
    في تلك اللحظة تغير وجهه بالكامل.
    وشعرت أنا ببرودة في رقبتي.
    سألتها
    تأمين حوادث؟
    نظرت إلي وقالت
    نعم يا جاسم. لو حدث لك شيء على الدراجة، كان
    هو قد قبض قيمة التأمين، لكنك لم تكن ستحصل على شيء.
    لم يقل الحاج أبو زيد شيئًا بعدها.
    لأن استغلال 
    الفقراء عندما لا يراجع أحد أمر، وسرقة شركة لديها محامون وفواتير وذاكرة أمر آخر تمامًا.
    استغرقت الإجراءات وقتًا، لكنها تحركت. اضطر الحاج أبو زيد إلى دفع جزء من المستحقات. لم يكن كل العدل الذي نستحقه، لكنه كان كافيًا لجعل أم ميثم تبكي عندما وصلها أول مبلغ متأخر. أما أنا، فقد وصلني مبلغ تعويض عن حقوق لم أكن أعرف أسماءها جيدًا.
    مكافأة.
    إجازات.
    بدلات.
    ساعات إضافية.
    مستحقات لم تُدفع.
    اشتريت لعلي مكتبًا مستعملًا ومصباحًا صغيرًا ليحل واجباته.
    سألني
    هذا من السوار؟
    فكرت قليلًا.
    قلت
    لا. هذا من إرجاع السوار.
    مرّ عام تقريبًا.
    أصبحت مسؤولًا عن التوصيل الداخلي. صار لدي ثلاثة شباب أتابع عملهم، وأول ما كنت أقوله لهم
    هنا لا أحد يدفع وقودًا من جيبه بلا وصل. هنا كل شيء يُوقّع. هنا لا أحد غير مرئي.
    في صباح أحد الأيام، اتصلت بي الدكتورة هناء وطلبت أن أصعد إلى مكتبها. ظننت أن أمرًا سيئًا حدث. ما زال داخلي لا يصدق أن الأبواب الكبيرة يمكن أن تُفتح دون أن يكون خلفها توبيخ.
    كان السوار فوق مكتبها.
    السوار نفسه.
    يلمع تحت الضوء مثل تلك الليلة.
    قالت
    أريد أن أخبرك بشيء.
    جلست.
    قالت
    هذا السوار كان لابنتي.
    لم أكن أعرف أن لديها ابنة.
    لمست الدكتورة هناء الصندوق الأسود بحذر.
    قالت
    توفيت قبل ست سنوات.

    كان عمرها تسعة عشر عامًا. حادث سيارة على طريق سريع بسبب سائق متهور. ومنذ ذلك اليوم أحمل هذا السوار عندما أكون أمام قرار مهم. في ذلك الجمعة فقدته بعد أن كنت قد وقّعت تجديد العقد مع الحاج أبو زيد.
    أنزلت نظرها.
    قالت
    عندما أعدته أنت، ظننت أن الأمر مجرد إشارة غريبة. ثم راجعت لمن كنت أدفع المال. فوجدت كل شيء.
    لم أقل شيئًا.
    تابعت
    ابنتي كانت تريد دراسة القانون العمالي. كانت تقول إن لا أحد يجب أن يمرض من الخوف لمجرد أنه طلب حقه. وعندما أخبرتني عن علي، فهمت أنني منذ سنوات أتبرع لمؤسسات خيرية، وفي الوقت نفسه أتعاقد مع رجل يترك عماله بلا دواء.
    امتلأت عيناها بالدموع.
    قالت
    لذلك لا يا جاسم. أنت لم تُعد لي سوارًا فقط. أنت أعدت لي شعور الخجل. الخجل الجيد. الذي يجعل الإنسان يصلح ما أخطأ فيه.
    شعرت بعقدة في حلقي.
    قلت
    يبدو أن ابنتك كانت إنسانة طيبة.
    ابتسمت بحزن.
    كانت متعبة وعنيدة جدًا. لكنها كانت طيبة.
    ثم دفعت ظرفًا نحوي.
    قالت
    هذا ليس هدية. هذه منحة. صندوق ابنتي سيدعم أبناء مندوبي التوصيل والعمال. وعلي سيكون أول مستفيد، إذا وافقت.
    فتحت الظرف.
    منحة دراسية حتى نهاية الإعدادية.
    مستلزمات مدرسية.
    تأمين صحي تكميلي.
    دعم نفسي.
    كانوا يمنحون ابني مستقبلًا دون أن يطلبوا منه أن يشعر بأنه أقل من غيره.

    غطيت وجهي بيدي.
    لم أستطع أن أمنع نفسي.
    بكيت كما لم أبكِ منذ وفاة أمي.
    انتظرت الدكتورة هناء بصمت.
    بعض أصحاب المال يظنون أن المساعدة تعني الكلام الكثير. لكنها لم تكن كذلك. كانت تعرف كيف تصمت.
    في ذلك العصر أخذت علي من المدرسة. مشينا على الرصيف في حيّنا الشعبي، بين ورش التصليح، ومحال العصير، والنساء العائدات من السوق، ورائحة الخبز الحار من الفرن القريب. كان الجو غائمًا، لكنه بدا لي نظيفًا.
    سألني علي عندما أخبرته
    بابا، لماذا بكيت؟
    قلت
    لأن الإنسان أحيانًا يتحمل كثيرًا، وعندما يأتيه شيء جميل، يؤلمه أيضًا.
    أمسك يدي.
    يعني ما راح تشتغل بعد ويا الرجل السيئ؟
    قلت
    أبدًا.
    والست صاحبة السوار طيبة؟
    فكرت بالدكتورة هناء، وبابنتها، وبالصندوق الأسود، وبالكاميرا التي رأتني أعيد شيئًا كان يمكن أن يحل ليلة واحدة لكنه كان سيكسر اسمي إلى الأبد.
    قلت
    هي تتعلم أن تكون عادلة. وهذا أهم.
    مرّت سنتان.
    ما زلت أعمل هناك. علي لم يعد يمرض كما كان من قبل. لديه زي مدرسي نظيف، وجهاز استنشاق احتياطي داخل حقيبته، ودفتر يكتب فيه قصصًا عن مندوب توصيل يعثر على كنوز ويعيدها دائمًا.
    أما الدراجة القديمة، تلك التي كان صوتها مثل خلاط مكسور، فقد بعتها قطعًا. وبفضل صندوق الادخار اشتريت دراجة مستعملة صغيرة، قانونية،
    مؤمنة، وأوراقها كاملة. وغادرنا الغرفة الصغيرة. استأجرنا شقة متواضعة في حي هادئ من بغداد، فيها غرفتان ونافذة يدخل منها ضوء الشمس صباحًا.
    في أول يوم رأى علي غرفته، سألني
    هاي إلي؟
    قلت
    نعم.
    أقدر ألصق رسوماتي على الحائط؟
    قلت
    كل الرسومات التي تريدها.
    فألصق رسمة لسوار ذهبي إلى جانب ديناصور.
    وكتب تحتها
    الأمانة تأخرت، لكنها وصلت.
    أما الحاج أبو زيد، فقد اضطر إلى بيع ما تبقى لديه ليسدد ديونه. مطعمه لم يفتح مرة أخرى. كانت جملته المفضلة لا أحد لا يمكن الاستغناء عنه. وفي النهاية اكتشف أن هناك شيئًا لا يمكن الاستغناء عنه فعلًا أن تعامل الناس كأنهم بشر.
    افتتحت الدكتورة هناء مطعمًا للموظفين قريبًا من الكرادة. أم ميثم تديره. وحيدر يدرس فنون الطبخ أيام السبت. وأنا أنسق التوصيلات، وأعلّم الشباب الجدد أن يحتفظوا بالوصولات، وأن يقرأوا العقود، وألا يقبلوا عبارة أدفع لك لاحقًا وكأنها قانون.
    في ذلك الاثنين الذي جاءت فيه الدكتورة هناء أمام صاحب عملي، ظننت أنها جاءت لتكافئني لأنني أعدت سوارًا.
    كنت مخطئًا.
    لقد جاءت لتعيد لي شيئًا أكبر.
    مكاني.
    اسمي.
    وقدرتي على أن أنظر في عيني ابني دون أن أشعر أن الفقر يجبرني على أن أخذله.
    وكلما سألني علي لماذا لم أحتفظ بتلك الجوهرة، أجيبه بالجملة نفسها التي
    قالتها لي أمي ذات يوم
    لأن الجوع يُشفى بالطعام يا ولدي... أما عار بيع روحك فلا يشفيه الذهب.


    :. كاتب الموضوع HS Admin ، المصدر: كنت عاجزًا عن شراء دواء ابني... ثم وجدت سوارًا ذهبيًا غيّر حياتي بالكامل! .:

    ;kj uh[.~h uk avhx ],hx hfkd>>> el ,[]j s,hv~h `ifd~h ydRv pdhjd fhg;hlg!


    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد




    الكلمات الدلالية
    عاجزًا ، ابني... ، سوارًا ، ذهبيًا ، بالكامل! ،