• مركز التحميل

  • أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات هرقلة ستار | Hergla Star Forums، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





    الملاحظات

    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد


    • قصة قصيرة
    • -->
    17-06-2026 18:08
    معلومات الكاتب ▼
    إنضم في:
    24-03-2022
    رقم العضوية :
    1
    المشاركات :
    1691
    الدولة :
    تونس
    قوة السمعة :
    100

    قبل وفاتها بشهر واحد فقط، اعترفت لي أمي أن لديّ ثلاثة إخوة أثرياء يعيشون في بغداد… لذلك حملت حقيبتي البلاستيكية المربعة، وصعدت إلى حافلة متجهة إلى العاصمة، وذهبت أبحث عنهم. لكن عندما وصلت إلى مركز الشرطة وأعطيتهم أسماءهم، نظر إليّ الضباط وكأنني فقدت عقلي… لأن أخي الأكبر كان واحدًا من أشهر رجال الاستثمار في العراق، والثاني ممثلًا معروفًا على مستوى الوطن العربي، والثالث أشهر ستريمر بالعراق.

    أمي انتظرت حتى آخر شهر من حياتها لتخبرني بالحقيقة.

    الحقيقة التي أخفتها أكثر من عشرين سنة.

    — يا خريف… عندكِ ثلاثة إخوة أكبر منكِ.

    كنت أجلس قرب سريرها، أقشر يوسفي، بينما المطر يضرب سقف بيتنا الصغير في أطراف الموصل. ظننت أن الحمى جعلتها تهذي. لكنها أمسكت يدي بقوة.

    — أنا مو مشوشة… هم موجودين فعلًا.

    ثم أخبرتني بكل شيء.

    عندما كانت حاملًا بي، خانها أبي. وكانت عائلته من الأثرياء. أثرياء بطريقة ما تشبه حياتنا أبدًا. وعندما قرروا الانفصال، أجبرتها عائلته أن تترك أبناءها الثلاثة عندهم، لأنها لم تكن تملك عملًا ولا مالًا ولا أي طريقة تعيشهم بها.

    — قدرت آخذكِ معي فقط لأنكِ بنت… هذيك العائلة طول عمرها كانت تهتم بالورثة الذكور فقط.

    لم أرَ أمي تبكي بتلك الطريقة من قبل.

    ولا حتى يوم أخبرها الطبيب بأنها مصابة بالسرطان.

    — خريف… بعد ما أموت… دوري عليهم.

    وكان ذلك آخر طلب مهم قالته لي في حياتها.

    بعد الجنازة، جمعت كل ملابسي داخل حقيبة بلاستيكية كبيرة مخططة بالأحمر والأبيض والأزرق، وأخذت الورقة الصغيرة التي كتبت عليها أسماء إخوتي، وسافرت إلى بغداد.

    لكن لحظة وصولي، اكتشفت شيئًا مرعبًا:

    بغداد كانت أكبر من قدرتي على الفهم.

    سيارات في كل مكان.

    ضجيج لا يتوقف.

    وجوه كثيرة.

    وأحياء متشابكة تجعلني

    أضيع بعد أول شارع.
    أنا بالكاد كنت أعرف كيف أتحرك وحدي خارج مدينتنا الصغيرة.

    لذلك فعلت الشيء الوحيد الذي خطر في بالي.

    الشيء الذي كانوا يعلموننا إياه في المدرسة دائمًا:

    “إذا ضعتِ أو احتجتِ مساعدة… ابحثي عن شرطي.”

    دخلت إلى مركز شرطة قريب، وأنا أضم حقيبتي البلاستيكية إلى صدري، وقدمت شهادة ميلادي مع الورقة التي تحتوي على الأسماء.

    الضابط كان هادئًا في البداية…

    حتى قرأ الاسم الأول.

    ثم رفع نظره نحوي ببطء.

    قرأ الاسم الثاني.

    ثم الثالث.

    وتغيرت ملامح كل الموجودين في الغرفة بطريقة غريبة جدًا.

    كأنني قلت لهم إني بنت شخصية يعرفها البلد كله.

    — هذول فعلًا إخوانك؟ — سألني أحدهم.

    — هذا اللي أمي قالتلي ياه.

    ساد الصمت لثوانٍ.

    ثم أمسك أحد الضباط الهاتف فورًا.

    لم أكن أفهم ما الذي يحدث.

    بعد قليل، اقتربت مني شرطية وسألتني بهدوء:

    — أنتِ أصلًا تعرفين من هم؟

    هززت رأسي بالنفي.

    كادت تضحك من شدة الصدمة.

    — أخوكِ الأكبر يدير واحدة من أكبر شركات الاستثمار ببغداد.

    شعرت أن عقلي توقف.

    — والثاني؟

    — ممثل مشهور جدًا… أكيد شايفته بالإعلانات والمسلسلات.

    — والثالث؟

    — أشهر ستريمر بالعراق… عنده ملايين المتابعين.

    في تلك اللحظة، كنت متأكدة أنهم أخطأوا بالشخص.

    أنا جاية من مدينة ينقطع عنها الماء مرتين بالأسبوع.

    كيف ممكن يكون هؤلاء عائلتي؟

    لكن السجلات كلها كانت متطابقة.

    في النهاية، أخبروني أنهم تواصلوا مع الأخ الأكبر، وأنه قادم ليأخذني بنفسه.

    لذلك خرجت أنتظر أمام المركز، وأنا ممسكة بحقيبتي البلاستيكية الكبيرة.

    كان يقف بجانبي شاب أصلع، ذراعاه مليئتان بالوشوم، وملامحه كلها تقول إنه يحب المشاكل.

    بدأ يتحدث معي فجأة.

    — أنتِ هم تنتظرين أهلك؟

    هززت رأسي.

    — أنا قبل شوي دخلت بعركة قوية… واحد

    راح للمستشفى بسببي.
    لم أعرف ماذا أقول، فاكتفيت بابتسامة صغيرة.

    لكنه استمر بالكلام وكأننا نعرف بعض منذ سنوات.

    — بس عادي… معلمي عنده فلوس. أكيد راح يرسل السيارة حتى تطلعني.

    وفي تلك اللحظة تمامًا، توقفت سيارة رانج روفر سوداء أمام المركز.

    ابتسم الشاب بفخر.

    — شفتي؟ هذي سيارتي. سعرها يجيب شقق.

    ثم نظر إلى حقيبتي البلاستيكية وضحك بخفة.

    — وأنتِ؟ شجابو أهلك حتى ياخذوج؟

    أجبته بصدق:

    — ما أعرف… أنا أصلًا ما شفت إخوتي بحياتي.

    نظر إليّ بطريقة مختلفة فجأة، وكأنه شعر بالشفقة عليّ.

    — إذا تريدين… أوصلك بعدين. نشرب قهوة أو أي شي.

    وهنا فقط فهمت أنه يغازلني.

    كنت على وشك الرد، عندما ظهرت سيارة أخرى عند زاوية الشارع.

    وفجأة، شهق الشاب من الصدمة.

    — لااا… مستحيل! رولز رويس إصدار محدود!

    حتى رجال الشرطة التفتوا نحو الشارع.

    السيارة السوداء اللامعة تقدمت ببطء…

    ثم توقفت أمامي تمامًا.

    اتسعت عينا الشاب الموشوم بشكل جنوني.

    — هاي سعرها خرافي…

    فُتح باب الراكب.

    ونزل رجل طويل جدًا، أنيق بشكل مبالغ فيه، ووسيم بطريقة غير طبيعية، وهو ينظر إلى صورة على هاتفه.

    ثم رفع عينيه نحوي.

    إلى الهودي القديم الذي أرتديه.

    إلى حقيبتي البلاستيكية.

    إلى حذائي المغطى بغبار السفر الطويل.

    ساد الصمت لثانيتين.

    ثم سأل بصوت جاد وحازم:

    — أنتِ خريف السامرائي؟

    وقبل أن أستطيع الرد حتى…

    قفز الستريمر من المقعد الخلفي بسرعة، وهو ينزع نظارته السوداء، بينما نصف رجال الشرطة كانوا ينظرون نحوه وكأن شخصًا غير طبيعي نزل أمامهم للتو. أنا لم أكن أفهم أي شيء مما يحدث. بصراحة، كنت أظن أنهم أخطأوا بالشخص بالكامل. أما الشاب الموشوم الذي كان يقف بجانبي، فتوقف عن الكلام فورًا، وحتى وقف بطريقة أكثر احترامًا، وكأنه يحاول أن

    يبدو أقل خطورة.
    الرجل الأنيق بقي يحدق بي مباشرة، بملامح جادة، كأنه يقارن وجهي بصورة قديمة محفوظة في ذاكرته.

    — أنتِ خريف السامرائي؟ — كرر السؤال.

    هززت رأسي ببطء.

    اتسعت عينا الستريمر بشكل واضح.

    — مستحيل… تشبه أمي فعلًا.

    شعرت بشيء غريب ينقبض داخل صدري عندما قال كلمة “أمي”.

    ليس “والدتكم”.

    ليس “أمك”.

    أمي.

    اقترب الرجل الأنيق خطوة أخرى.

    — أنا أدهم.

    الأخ الأكبر.

    رجل الاستثمار المعروف.

    وبصراحة، أول فكرة خطرت ببالي وقتها أنه يبدو غالي الثمن أكثر من اللازم حتى يكون أخي.

    بدلة داكنة مثالية.

    ساعة فاخرة.

    ووجه رجل ينام قليلًا ويعطي الأوامر كثيرًا.

    لكن عينيه…

    كانتا نفس عيني أمي تمامًا.

    وهذا وحده أضعف دفاعاتي قليلًا.

    أما الستريمر، فاقترب مني بسرعة  بدون حتى أن يسألني.

    فعلها بسرعة لدرجة أن حقيبتي البلاستيكية كادت

    تسقط من يدي.
    — أنا غيث — قال مبتسمًا — الثالث. أو مثل ما يقول الإنترنت… المفضل عند الناس.

    رجال الشرطة ما زالوا يراقبون المشهد بصدمة كاملة.

    أما الشاب الموشوم، فكان يبدو نادمًا جدًا لأنه حاول مغازلتي قبل دقائق.

    وأنا بقيت متجمدة في مكاني.

    لأنهم كانوا يبدون وكأنهم خرجوا للتو من مجلة فاخرة…

    بينما أنا كنت أرتدي هودي قديمًا، وشعري مربوطًا بعشوائية، وحذائي مليئًا بغبار الطريق الطويل.

    نظر أدهم إلى حقيبتي الكبيرة.

    — هذا كل اللي جبتيه وياكِ؟

    هززت رأسي.

    وفي تلك اللحظة، تغير شيء في ملامحه.

    لم يكن شفقة.

    كان ألمًا.

    كأنه فهم أخيرًا كيف كانت حياتي طوال تلك السنوات.

    غيث أخذ الحقيبة مني فورًا.

    — شنو حاطة هنا؟ صخور؟

    — ملابس.

    نظر إليّ باستغراب.

    — بس شنطة وحدة؟

    لم أجب.

    بصراحة، بدأت أشعر بالخجل من مجرد وقوفي أمامهم.

    ثم حدث شيء لم أتوقعه أبدًا.

    أدهم خلع

    سترته الغالية ووضعها فوقي لأنني كنت أرتجف من برد المطر.
    لم يقل شيئًا.

    لكن تلك الحركة الصغيرة ضربتني بقوة.

    لأنها كانت تمامًا شيئًا كانت أمي ستفعله.

    ركبنا الرولز رويس وسط صمت كامل.

    الشاب الموشوم بقي يحدق بالسيارة وكأنه خرج من حادث نفسي، بينما رجال الشرطة فتحوا لنا الطريق.
    جلست في الخلف وأنا

    أضم حقيبتي كأنني ما زلت مضطرة لحمايتها.
    غيث لم يتوقف عن النظر إليّ.

    — أنتِ تشبهينها كثير… خصوصًا لما تعصبين شوي.

    عقدت حاجبي.

    — شلون تعرف؟

    ابتسم بخفة.

    — أمي كانت تفرجنا صوركِ بالسر.

    شعرت بشيء يتحطم داخلي.

    — كانت فعلًا تتكلم عني؟

    هذه المرة، أجاب أدهم من المقعد الأمامي.

    — كل سنة.

    نظرت فورًا نحو النافذة لأن الدموع بدأت تتجمع في عيني.

    طوال حياتي، كنت أعتقد أن إخوتي لا يعرفون حتى بوجودي.

    لكنهم كانوا يعرفون.

    وهذا غيّر كل شيء.

    وعندما وصلنا إلى البيت، فهمت أخيرًا كم كانوا أثرياء فعلًا.

    لم يكن بيتًا عاديًا.

    كان شيئًا مختلفًا بالكامل.

    حراس أمن.

    مساحات ضخمة.

    نوافذ عملاقة تمتد من الأرض حتى السقف.

    وكل شيء هادئ ومثالي بشكل يخيف، كأن المكان فندق فاخر وليس منزلًا.

    كنت خائفة حتى من النزول من السيارة.

    بصراحة، شعرت أنني قد أفسد شيئًا فقط بمجرد المشي هناك.

    فتح غيث الباب ونظر إليّ.

    — شبيكِ؟

    في تلك الليلة الأولى، بالكاد تحدثت.

    جلست مستقيمة تمامًا على كرسي ضخم داخل غرفة طعام أكبر من بيتنا كله، بينما الموظفون يقدمون أطباقًا لا أعرف حتى كيف أنطق أسماءها.

    أدهم كان يرد على مكالمات العمل حتى أثناء العشاء.

    وغيث يحاول كسر الصمت بالنكات.

    لكنني

    بقيت أشعر أنني دخيلة دخلت الحياة الخطأ بالصدفة.
    ثم ظهر الأخ الثاني.

    الممثل.

    ليث السامرائي.

    دخل البيت قرب منتصف الليل، وما تزال آثار مكياج التصوير على وجهه، وبصراحة، فهمت فورًا لماذا تبكي البنات بسببه على تيك توك.

    لكن هذا لم يكن أكثر شيء أربكني.

    الشيء الأصعب كان نظرته عندما رآني.

    تجمد بالكامل.

    ثم اقترب نحوي ببطء شديد، وكأنه خائف أن يخيفني.

    — أنتِ خريف…

    لم تكن حتى سؤالًا.

    كانت حزنًا خالصًا.

    هززت رأسي بخفة.

    وذلك الممثل المشهور، المثالي، الذي يعرفه الجميع…

    انتهى به الأمر وهو يبكي أمامي داخل المطبخ الساعة الثانية فجرًا، بينما يريني صندوقًا صغيرًا مليئًا برسومات قديمة كانت أمي ترسلها

    لهم عندما كنت طفلة.
    كنت موجودة في كل الرسومات.

    بضفيرتين.

    بزي المدرسة.

    أحمل حيوانات المزرعة.

    وأبتسم بأسنان ناقصة.

    أمي كانت تتحدث عني فعلًا طوال تلك السنوات.

    لمس ليث إحدى الرسومات برفق.

    — كانت تريد ترجعلكِ مرات كثيرة.

    بلعت ريقي بصعوبة.

    — إذًا ليش ما رجعت؟

    لم يجب أحد فورًا.

    وهنا فهمت أبشع جزء من القصة كلها.

    عائلة أبي لم تكن تملك المال فقط…

    كانت تملك نفوذًا.

    نفوذًا ضخمًا.

    واستخدموه حتى يبعدوا أمًا عن أطفالها، لأن امرأة فقيرة لم تكن تملك أي

    فرصة أمام المحامين الغالين، والعلاقات، والتهديدات.
    الأسابيع التالية كانت غريبة جدًا بالنسبة لي.

    كنت أستيقظ مبكرًا بحكم العادة، بينما البيت كله ما يزال نائمًا.

    أحيانًا كنت أساعد بالمطبخ لأنني لا أعرف كيف أجلس بدون عمل

    وأحيانًا أختبئ في الحديقة لأن كل شيء كان أكبر من قدرتي على الاستيعاب.

    لكن إخوتي أصروا أن يسحبوني إلى عالمهم.

    غيث علمني كيف أستخدم أجهزة الألعاب، وكان يضحك عليّ لأنني أشعر بالدوخة فقط من تحريك الكاميرا داخل اللعبة.

    وليث كان يأخذني إلى مقاهٍ هادئة ومخفية حتى لا تتبعنا صفحات المشاهير والمصورون.

    أما أدهم…

    فكان مختلفًا.

    أهدأ.

    وأصعب في الفهم.

    لكن في صباح مبكر، وجدته جالسًا وحده في المطبخ، ينظر إلى صورة قديمة لأمي.

    سألته بهدوء:

    — كنت تكرهها؟

    استغرق وقتًا طويلًا قبل أن يجيب.

    — كرهتها سنوات طويلة لأنها تركتنا.

    شعرت ببرودة مفاجئة.

    لأنني فهمت هذا الشعور تمامًا.

    أخذ أدهم نفسًا عميقًا.

    — وبعدها فهمت إنها ما تركتنا بإرادتها… هم أجبروها تختار أي طفل تقدر تنقذه.

    وهذا حطم شيئًا داخلي بالكامل.

    لأنني لسنوات كنت أظن أن أمي كانت تفضّل أحدًا على أحد.

    لكنها لم تكن كذلك.

    كانت فقط امرأة فقيرة تحاول النجاة أمام ناس أقوى منها بكثير.

    في أحد أيام الأحد، ذهبنا معًا إلى مدينتي لزيارة قبرها.

    غيث أحضر باقات ورد ضخمة.

    وليث بكى طوال الطريق تقريبًا.

    أما أدهم، فوقف أمام القبر وقتًا طويلًا بدون أن

    يقول كلمة واحدة.
    وأنا أيضًا بقيت صامتة.

    لأنه لم يعد لدي شيء ألوم أمي عليه.

    لقد فعلت كل ما استطاعت فعله بما تملك.

    وقبل

    أن نغادر، وضع أدهم يده فوق شاهد القبر وقال جملة ما تزال عالقة في رأسي حتى اليوم:
    — سامحينا لأننا تأخرنا كل هالوقت حتى نوصلكِ.

    وفي تلك اللحظة فهمت شيئًا مهمًا جدًا.

    أحيانًا الحياة فعلًا تفرق العائلات.

    المال.

    النفوذ.

    الكبرياء.

    لكنني تعلمت شيئًا أقوى من كل ذلك:

    إذا كان الحب حقيقيًا… حتى السنوات الضائعة تجد طريقها للعودة يومًا ما.

    واليوم، ما زلت أعيش في بغداد.

    لم أعد أحمل حقيبتي البلاستيكية معي في كل مكان، لكنني ما زلت أحتفظ بها بعناية داخل خزانتي، مطوية كما كانت يوم وصلت لأول مرة إلى العاصمة وأنا أظن أنني سأعود منها مكسورة أو مطرودة أو ضائعة أكثر مما كنت.

    غيث يقول دائمًا إننا يجب أن نضعها داخل صندوق زجاجي لأنها “قطعة أثرية رسمية تخص العائلة”، ثم يبدأ بالضحك ويصورها بهاتفه وكأنه يصنع محتوى لمتابعيه.

    أما ليث، فما يزال يعاملني وكأن عمري خمس عشرة سنة.

    إذا تأخرت بالرد عليه نصف ساعة، يتصل فورًا.

    وإذا مرضت قليلًا، يتحول البيت كله إلى حالة طوارئ.

    وفي كل مرة أزور موقع تصوير معه، يصرّ أن يعرف من أوصلني، ومن سيعيدني، وإذا أكلت أم لا.

    أما أدهم…

    فما يزال يتظاهر بالبرود دائمًا.

    لكنني اكتشفت مع الوقت أن هدوءه يخفي أشياء كثيرة.

    كلما خرجت وحدي، يرسل سائقًا خاصًا خلفي وكأنه يظن أن بغداد ستنهار إذا ركبت سيارة

    أجرة عادية.
    وكل ليلة تقريبًا، يرسل رسالة قصيرة جدًا لا تحتوي إلا على سؤال واحد:

    “وصلتِ؟”

    وفي الصباح التالي، يتصرف وكأنه لم يرسل شيئًا أصلًا.

    أحيانًا ما زلت أستيقظ باكرًا قبل الجميع، وأجلس قرب النوافذ الكبيرة المطلة على الحديقة، وأشعر بالغرابة من حياتي كلها.

    قبل سنة واحدة فقط، كنت أعيش في بيت صغير يتسرب المطر من سقفه.

    واليوم، هناك حراس عند البوابة، وسائق ينتظرني في الخارج، وأشخاص يعرفون أسماء إخوتي أكثر مما يعرفون أسماء السياسيين.

    ومع ذلك…

    أغرب شيء لم يكن المال.

    ولا البيت.

    ولا السيارات.

    أغرب شيء في كل ما حدث… لم يكن القصر، ولا السيارات، ولا الشهرة، ولا حتى كمية المال التي كنت أراها حولي كل يوم.

    أغرب شيء كان شعوري بأنني لم أعد وحدي.

    هذا الإحساس بالتحديد كان جديدًا عليّ أكثر من أي شيء آخر.

    لأول مرة في حياتي، أصبح هناك أشخاص يقلقون إذا اختفيت فجأة أو تأخرت عن العودة.

    أشخاص يتصلون فقط ليسألوا إن كنت أكلت أم لا.

    أشخاص ينتظرونني على مائدة العشاء بدل أن آكل وحدي بصمت.

    أشخاص يتجادلون معي على أشياء سخيفة، ثم يعودون بعد دقائق وكأن شيئًا لم يحدث.

    أشخاص يشبهونني.

    يشبهون ملامحي.

    وطريقتي بالكلام.

    حتى صمتي أحيانًا.

    وفي بعض الليالي، عندما أجلس وحدي داخل غرفتي، وأرى أضواء بغداد من خلف النوافذ الكبيرة،

    أتذكر حياتي القديمة كلها دفعة واحدة.
    أتذكر بيتنا الصغير.

    صوت المطر فوق السقف المعدني.

    رائحة الشاي الذي كانت أمي تحضره في الشتاء.

    وأتذكر تلك السنوات الطويلة التي عشتها وأنا مقتنعة أن العالم كله نسي وجودي.

    لكنني لا أبكي كما كنت أفعل سابقًا.

    لأنني أخيرًا فهمت الحقيقة كاملة.

    أمي لم تتخلَّ عنا لأنها أرادت ذلك.

    ولم تكن أمًا قاسية أو باردة كما كنت أظن أحيانًا وأنا صغيرة.

    هي فقط كانت امرأة ضعيفة تحاول النجاة داخل عالم أقوى منها بكثير.

    امرأة لم تملك المال.

    ولا النفوذ.

    ولا القدرة على مواجهة عائلة تستطيع شراء كل شيء.

    حتى الناس.

    حتى القانون.

    حتى الصمت.

    ومع ذلك…

    رغم كل ما خسِرته…

    نجحت في شيء واحد على الأقل.

    تركت لنا خيطًا صغيرًا أوصلنا إلى بعض في النهاية.

    أحيانًا أفكر كم كان ذلك صعبًا عليها.

    أن تعيش وهي بعيدة عن أولادها.

    أن ترى صورهم يكبرون بدونها.

    أن تعرف أن ابنتها الصغيرة تكبر وهي تظن أن لا أحد يريدها.

    ثم أتذكر آخر ليلة معها.

    الطريقة التي أمسكت بها يدي.

    والخوف الموجود في عينيها وهي تطلب مني أن أبحث عنهم.

    وقتها ظننت أنها تطلب مني المستحيل.

    لكنها، بطريقة ما، كانت

    تعرف أننا سنجد بعض يومًا ما.
    وبصراحة…

    بعدما كبرت وأنا أعتقد أنني وحيدة تمامًا في هذا العالم…

    اكتشاف أن هناك أشخاصًا كانوا ينتظرونك

    طوال الوقت، دون أن تعرف…
    يشبه أن يفتح أحدهم نافذة داخل صدرك بعد سنوات طويلة من الاختناق.

    يشبه العودة إلى البيت، حتى لو لم تكن تعرف طوال حياتك أين كان هذا البيت أصلًا.

    ويشبه كثيرًا…

    تعلّم التنفس من جديد 
     


    :. كاتب الموضوع HS Admin ، المصدر: قيل وفاتها بشهر واحد فقط اعترفت لي أمي .:

    rdg ,thjih faiv ,hp] tr' hujvtj gd Hld


    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد




    الكلمات الدلالية
    وفاتها ، اعترفت ،