
كان عندي كاميرات مراقبة مخفية في كل أوضة في الفيلا.
مش عشان أنا مهووس بالمراقبة
لكن لأني اتعلمت بالطريقة الصعبة إن الثقة في الشخص الغلط ممكن تكلّفك حياتك.
أنا خسرت مراتي بسبب الثقة.
وابني اللي عنده تمن سنين كان هيموت بسببها.
عشان كده، لما ركبت كاميرات في كل ركن في البيت، كنت متوقع أمسك حرامي أو واحد من رجالي بيبيعني أو حتى حد داخل البيت عشان يقتلني.
بس اللي شوفته في الليلة دي، وأنا قاعد قدام شاشات المراقبة، خلاني أواجه حقيقة كانت أصعب من أي خيانة ممكن أتخيلها.
اسمي عمر المنشاوي.
واللي زيي ما ينفعش يعيش وهو بيثق في الناس بسهولة.
بيتي كان فيلا ضخمة على طريق إسكندرية الصحراوي، حواليها أرض واسعة وسور عالي وبوابات حديد، وحراسة على مدار الساعة.
كان عندي كاميرات في كل حتة.
رجالة واقفة عند البوابات.
وعربيات مصفحة.
وكل حاجة تقريبًا محسوبة بالدقيقة.
ومع ذلك
البيت عمره ما حسسني بالأمان.
بالعكس.
كان عامل زي مقبرة كبيرة.
من حوالي سنة، وأنا راجع من اجتماع، العربية اللي راكبها اتفجرت.
الانفجار كان عنيف لدرجة إن العربية اترمت كام متر.
أنا نجيت بأعجوبة.
لكن مراتي
ما نجتش.
أما ابني آدم، فكان في العربية معانا.
هو كمان نجا، بس الإصابة قطعت الحبل الشوكي عند منطقة الصدر.
ومن يومها، ابني اللي كان بيجري في البيت طول اليوم، ويدخل عليا برجليه التراب ويقولي
بابا بص أنا عملت إيه!
بقى راجل صغير قاعد على كرسي متحرك.
وأصعب حاجة؟
إنه تقريبًا بطل يتكلم.
كنت أقعد بالساعات في أوضة المراقبة تحت الأرض، وأبص على الشاشة رقم أربعة.
الشاشة اللي كانت بتجيب أوضة آدم.
كنت بتفرج عليه وهو قاعد جنب الشباك بالساعات، ساكت، بيبص للشارع والليل من غير ما يقول كلمة.
لحد ما في يوم، حسن، المسؤول عن الحراسة، دخل مكتبي وقال
الست الجديدة وصلت يا باشا.
رفعت عيني من على الملفات.
دخّلها.
بعد دقيقة، دخلت واحدة اسمها سلمى حمدي.
كانت لابسة بالطو كحلي قديم، وجزمة باين عليها إنها شافت أيام كتير، وفي إيدها شنطة جلد صغيرة شكلها مستهلك من كتر الاستخدام.
وشها كان عليه إرهاق واضح.
لكن الغريب
إنها ما كانتش خايفة.
حطيت السيرة الذاتية بتاعتها قدامي.
وبصيت لها.
مفيش معاكي شهادة تمريض.
لأ.
اشتغلتي قبل كده في رعاية كبار السن؟
أيوه.
طب السنتين اللي اختفيتي فيهم من شغلك كانوا فين؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت
كنت بشتغل شغلانات مؤقتة.
رفعت عيني لها.
وليه أختارك إنتِ بالذات؟
قالت بمنتهى الهدوء
عشان المرتب هنا تلات أضعاف أي مكان تاني.
اتكأت في الكرسي.
إنتِ فاهمة إن ابني مش حالة عادية؟
فاهمة.
وإن التعامل معاه مش سهل؟
فاهمة.
وإن لو حصل له حاجة، الموضوع مش هيعدي كده؟
بصتلي في عيني.
أنا أقدر أعمل له نقل من السرير للكرسي، أتابع أدويته، أغير له، أعمل له فحص للجلد، وأساعده في جلسات العلاج الطبيعي.
سكت شوية.
وبعدين قلت لها
آدم مش مجرد شغلانة. وإنتِ لو لعبتي بديلك هنا، ممكن تندمي إنك دخلتي البيت ده من الأساس. فاهمة أنا مين؟
قالت بمنتهى البرود
إنت الراجل اللي بيدفع المرتب في معاده.
لأول مرة من فترة طويلة
كنت هضحك.
بس مسكت نفسي.
وقلت
مش فارق معاكي أنا مين؟
هزت كتفها.
أنا مش جاية هنا عشان أعرف تجارتك ولا شغلك. أنا جاية عشان ابنك يفضل عايش، نضيف، واخد علاجه، وآمن طول فترة شغلي. المرتب يوم واحد وخمستاشر. وإحنا كده اتفقنا.
قامت من مكانها.
قلت لها
هو مش بيتكلم.
وقفت.
وممكن يكرهك.
ردت وهي بتاخد شنطتها
اتكرِهت قبل كده من ناس أحسن منه.
وبعدين قالت
وريني أوضته.
من أول يوم، بدأت أراقبها.
ومن تاني يوم، بقيت أراقبها أكتر.
ومن تالت يوم
ما بقيتش بسيب شاشة آدم تقريبًا.
كنت مستني أشوف الغلطة.
حركة غريبة.
مكالمة سرية.
فلوس بتتسرق.
أي حاجة تثبت إن إحساسي صح.
لكن مفيش حاجة حصلت.
سلمى ما كانتش بتبص على التحف الغالية.
ولا كانت بتحاول تتقرب من الحرس.
ولا كانت بتتملقني.
ولا مرة قالتلي
حضرتك شخص عظيم.
ولا مرة اهتمت تعرف أنا بملك إيه.
كانت كل تركيزها على آدم.
والأغرب من كل ده
إنها ما كانتش بتعامله كأنه عاجز.
في يوم، آدم رفض ياكل.
دخلت سلمى بالأكل، حطته قدامه، فقال لها بعينيه إنه مش عايز.
قالت
براحتك.
وحطت طبق الفاكهة جنب السرير.
وبعدين قالت
كل أو ما تاكلش. أنا مش فاتحة مطعم.
وقفت عند الباب، وبعدين بصت له وقالت
بس خلي بالك الزعل مش هيغير الأكل.
ومشيت.
كنت هضغط على زر الإنتركم وأقول لها
إنتِ بتكلمي ابني إزاي؟
لكن قبل ما أعمل كده
آدم مد إيده.
وأخد قطعة تفاح.
وأكلها.
فضلت باصص للشاشة وأنا مش مصدق.
حاجة صغيرة جدًا.
تفاحة.
لكن بالنسبة لي
كانت أول مرة أشوف ابني بيختار يعمل حاجة من نفسه من أكتر من سنة.
وفي ليلة الخميس
الدنيا كانت بتقلب.
المطر نازل بغزارة، والرعد كان مالي المكان.
البيت كله تقريبًا هادي.
وأنا كالعادة
قاعد قدام شاشات المراقبة.
لحد ما بدأت جلسة العلاج الطبيعي.
سلمى كانت بتحرك رجل آدم واحدة واحدة.
آدم كان متضايق جدًا.
إيده كانت ماسكة الملاية جامد.
وصوابعه متشنجة.
وبعدين شفت دمعة نزلت من عينه ووصلت عند ودنه.
جسمي كله شد.
وقلت
كفاية.
إيدي كانت هتمد ناحية زر الإنتركم.
لكن سلمى وقفت.
وبصت له.
وقالت
بصلي يا آدم.
فتح عينه.
قالت
إنت بتكره ده.
سكتت لحظة.
بتكره الكرسي.
وسكتت تاني.
وبتكره البيت ده.
آدم بص لها.
وبعدين قالت الجملة اللي أنا شخصيًا عمري ما قدرت أقولها لابني.
إنت بتكره إن أبوك كل ما يبصلك يحس إنه واقف قدام جنازة.
إيدي اتجمدت فوق الزر.
ما ضغطتش.
ولا حتى قدرت أتنفس.
سلمى كملت
وأنا مش بلومك.
اللي حصل لك مش عادل.
ومحدش يقدر يقولك إنك لازم تكون مبسوط.
قربت منه شوية.
وقالت
إنت من حقك تزعل.
من حقك تتعصب.
من حقك تكره اللي حصل.
وبعدين حطت إيدها بهدوء على رجله.
وقالت
بس لسه عندك اختيارات.
آدم فضل ساكت.
سلمى بصت له في عينه وقالت
يا إما تستسلم
وسكتت.
يا إما تخلي جسمك جاهز.
الدنيا مش هتقف عشان حصل لك حادث.
الدنيا هتكمل.
وبصوت أهدى قالت
والسؤال مش هو ليه ده حصل
لي؟
السؤال هو
إنت هتعمل إيه بعد ما حصل؟
آدم فضل باصص لها.
ثانية.
اتنين.
تلاتة.
وأنا واقف قدام الشاشة، مش قادر أتحرك.
لحد ما حصلت حاجة
حاجة أنا ما شفتهاش من أكتر من سنة.
شفايف ابني اتحركت.
قربت وشي من الشاشة.
سلمى كمان قربت منه.
آدم حاول ياخد نفس.
فتح بقه
وحاول يتكلم.
ولأول مرة من يوم الحادث
ابني حاول ينطق.
وفي اللحظة دي، أنا فهمت إن أخطر حاجة في البيت كله
ما كانتش الكاميرات.
ولا الحراسة.
ولا الأعداء اللي برا.
الخطر الحقيقي كان إني كنت مقتنع إن ابني مات يوم الحادث
مع إن جسمه بس هو اللي اتصاب.
أما هو
فكان لسه موجود.
ولسه بيحاول يرجع.
لكن اللي ما كنتش أعرفه وقتها
إن سلمى ما دخلتش حياتنا بالصدفة.
وإن السنتين اللي اختفوا من سيرتها الذاتية
كان وراهم سر.
سر له علاقة مباشرة بالانفجار اللي قتل مراتي
وبالشخص اللي كنت بثق فيه أكتر من أي حد في حياتي.
آدم حاول يتكلم.
الصوت ما طلعش.
فتح بقه مرة تانية.
المرة دي خرج منه صوت ضعيف جدًا
زي الهمسة.
سلمى قربت ودانها منه.
وفجأة قالت
قولها تاني.
أنا كنت واقف قدام الشاشة، مش مصدق.
آدم حاول مرة تالتة.
والكلمة خرجت متقطعة
م ماما.
وقتها
رجلي خانتني.
قعدت على الكرسي اللي ورايا.
أنا، عمر المنشاوي، الراجل اللي شاف موت كتير، واللي عمره ما سمح لنفسه ينهار قدام حد
انهرت.
مش عشان ابني قال كلمة.
لكن عشان دي كانت أول مرة ينطق من يوم ما ماتت أمه.
سلمى مسحت دموعها بسرعة، وقالت له
كويس.
وبعدين ابتسمت.
بس هنعتبرها أول خطوة.
ما استنتش أكتر.
خرجت من الأوضة.
بعد دقيقتين، باب مكتبي اتفتح.
دخلت سلمى.
كانت عارفة إني شوفت كل حاجة.
بصيت لها وقلت
إنتِ مين؟
سكتت.
أنا سألتك عن السنتين اللي اختفوا من سيرتك.
ما ردتش.
قومت من مكاني.
أنا مش بسأل تاني.
فضلت ساكتة.
قلت
إنتِ عارفة حاجة عن حادث العربية.
وشها اتغير.
تغيير بسيط.
بس أنا شفته.
قربت منها.
صح؟
قالت
أيوه.
مين؟
سكتت.
مين قتل مراتي؟
هزت راسها.
أنا مش عارفة مين حط القنبلة.
صرخت
يبقى عارفة إيه؟!
قالت
عارفة مين كان المفروض يموت في العربية.
سكت.
الجملة وقعت عليا كأنها طلقة.
إيه؟
بصت في الأرض.
وقالت
ابنك.
ما فهمتش.
آدم؟
هزت راسها.
آدم هو اللي كان الهدف.
فضلت باصص لها.
ليه؟
قالت
عشان حاجة شافها.
شاف إيه؟
مش عارفة.
يبقى إنتِ بتلعبي معايا؟
قالت بسرعة
قبل الحادث بأسبوع، آدم اتصل بأخويا.
سكتت.
أخويا كان مهندس إلكترونيات.
وكان شغال مع واحدة من الشركات اللي بتتعامل معاك.
بدأت أربط الكلام ببعضه.
أخوكي اسمه إيه؟
قالت
ياسين.
الاسم ضربني في دماغي.
ياسين.
أنا أعرف الاسم.
كان مهندس أنظمة في شركة من شركاتي.
ومات في حادث عربية بعدها بشهر من الانفجار.
أنا اللي دفنت الراجل ده.
قلت
إنتِ أخت ياسين؟
هزت راسها.
أيوه.
رجعت خطوتين.
وليه ما قولتيليش؟
قالت
عشان لو كنت عرفت من أول يوم، ما كنتش هتشغلني.
وإنتِ عايزة إيه؟
بصتلي في عيني.
الحقيقة.
سكتنا.
وبعدين قالت
وأخويا قبل ما يموت، بعتلي تسجيل صوتي.
طلعت موبايلها.
شغلت التسجيل.
صوت راجل متوتر خرج من السماعة
سلمى لو حصل لي حاجة، متصدقيش إن الحادث كان حادث.
صوت تشويش.
وبعدين
في حد من جوه الشركة بيسرب كل حاجة.
ثواني.
والفلوس بتدخل من خلال حساب باسم
التسجيل وقف.
سلمى قالت
التسجيل اتقطع هنا.
بصيت لها.
يعني إنتِ دخلتي بيتي عشان تلاقي باقي التسجيل؟
قالت
لأ.
سكتت.
دخلت بيتك عشان أعرف هل إنت كنت جزء من اللي حصل لأخويا.
وقتها غضبت.
وإنتِ شاكة فيا؟
قالت
أنا كنت شاكة في الكل.
وبصت ناحية أوضة آدم.
لحد ما شفتك كل ليلة قاعد قدام شاشته.
سكتت.
ساعتها فهمت إنك مش الشخص اللي كنت متخيلاه.
خرجت من مكتبي.
لكن قبل ما تمشي، وقفت وقالت
في حاجة تانية.
إيه؟
اللي قتل ياسين لسه شغال عندك.
قلبي دق بسرعة.
مين؟
بصتلي وقالت
مش هقولك.
ليه؟
عشان لو قلت لك دلوقتي، هتقتله.
وسابتني.
لأول مرة في حياتي
حسيت إني مش عايز أقتل حد.
أنا عايز أفهم.
تاني يوم الصبح، حصلت حاجة غريبة.
الحرس بلغوني إن باب المخزن القديم اتفتح الساعة 317 الفجر.
المخزن ده كان مقفول من بعد الحادث.
دخلت مع حسن.
ما لقيناش حاجة.
لكن على الأرض كان فيه ظرف بني.
جواه صورة قديمة لمراتي.
ومكتوب وراها
إنت بتدور في المكان الغلط يا عمر.
رجعت البيت وأنا مش قادر أفكر.
دخلت غرفة المراقبة.
فتحت تسجيلات الليلة اللي فاتت.
وقتها شفت حاجة خلت الدم ينشف في عروقي.
الساعة 317
كل الكاميرات اشتغلت طبيعي.
ما عدا كاميرا واحدة.
كاميرا الممر المؤدي لأوضة آدم.
الصورة فيها اختفت لمدة 47 ثانية.
حد كان عارف مكان الكاميرا.
حد فاهم النظام.
حد من جوه.
دخلت على آدم.
لقيت سلمى بتغير له الضمادة.
قلت لها
اقفلي الباب.
بصتلي.
ليه؟
عشان هقول لك حاجة.
لما خرجت، قفلت الباب.
قعدت قدام ابني.
قلت
آدم فاكر يوم الحادث؟
بصلي.
فاكر حاجة؟
عينيه اتحركت ببطء.
قلت
أي حاجة.
فجأة إيده اتحركت.
أشار للدرج.
فتحت الدرج.
لقيت دفتر رسم قديم.
قلبت الصفحات.
رسومات أطفال.
عربية.
بيت.
رجل طويل.
وساعة كبيرة.
قلت
مين ده؟
آدم أشار للرجل.
وبعدين أشار للساعة.
كانت الساعة في الرسم متوقفة عند
317
اتجمدت.
آدم إنت شفت مين؟
مسك القلم بصعوبة.
ورسم حرفين.
م. س
سلمى دخلت فجأة.
ولما شافت الرسم
وشها ابيض.
قالت
مين؟
أنا رفعت عيني لها.
إنتِ تعرفي الحرفين دول؟
قالت
أيوه.
مين؟
قالت
محمود سليم.
أنا عرفته.
مدير الحسابات الرئيسي في مجموعتي.
راجل معايا من أكتر من عشر سنين.
راجل كنت بثق فيه ثقة عمياء.
راجل كان معايا في العربية قبل الحادث بساعات.
واجهته في مكتبه في نفس اليوم.
دخلت لوحدي.
محمود رفع عينه.
خير يا حاج عمر؟
حطيت قدامه صورة آدم.
تعرف الرسم ده؟
بص للصورة.
ثانية واحدة.
وبعدين ابتسم.
عيال بترسم أي حاجة.
قلت
آدم مش بيرسم من خياله.
وشه اتغير.
قلت
أخو سلمى كان بيحقق في حسابات شركتك.
سكت.
والتسجيل اللي معاه اختفى.
لسه ساكت.
قربت منه.
مين كان بيحول الفلوس؟
قال
إنت اتجننت؟
ضحكت.
أنا عايز أسمع منك.
وفجأة محمود ضرب المكتب بإيده.
إنت فاكر إن كل حاجة حصلت بسبب شغلك؟
سكت.
قال
مراتك كانت هتفضحهم.
اتجمدت.
مين؟
محمود بصلي.
مراتك كانت بتعرف إنك مراقب من زمان.
مراقب من مين؟
قال
من ناس أقوى منك.
وبعدين ابتسم.
وعارف إيه المشكلة؟
إيه؟
إنك لسه فاكر إنهم كانوا عايزين يقتلوك.
سكت.
قال
هما كانوا عايزين ابنك.
وفجأة سمعت صوت حركة برا.
لفيت.
الباب اتفتح.
حسن دخل ومعاه اتنين من الحرس.
لكن محمود كان اختفى.
من الباب الخلفي.
رجعت البيت بسرعة.
أول حاجة عملتها إني بصيت على شاشة آدم.
السرير فاضي.
صرخت
آدم!
جريت فوق.
باب الأوضة مفتوح.
الكرسي موجود.
لكن ابني مش موجود.
سلمى كمان اختفت.
حسيت إن الدنيا وقفت.
صرخت في الحرس
اقفلوا البوابات!
ثواني.
وبعدين وصلني اتصال.
رقم مجهول.
رديت.
صوت رجل قال
لو عايز ابنك يرجع، تعالى لوحدك.
قلت
مين؟
قال
المخزن القديم.
وقفل.
حسن مسك دراعي.
ما تروحش يا باشا.
بصيت له.
ابني هناك.
قال
ممكن يكون فخ.
قلت
هو فعلًا فخ.
ومشيت.
وصلت المخزن.
دخلت.
النور كان مقطوع.
نورت الكشاف.
سمعت صوت آدم.
بابا!
جريت.
لقيته مربوط على كرسي.
لكن قبل ما أوصل له
نور المكان كله اشتغل.
ومحمود ظهر قدامي.
ومعه رجلين مسلحين.
قال
كنت عارف إنك هتيجي.
قلت
سيب ابني.
ضحك.
ابنك؟
وبعدين بص لآدم.
الواد ده شاف حاجة ما كانش المفروض يشوفها.
قلت
إيه؟
محمود قال
قبل الحادث بيوم، آدم دخل مكتب أمك
وسكت.
مكتب أمه.
كملت أنا.
هز راسه.
وشاف ملفات.
ملفات إيه؟
قال
تحويلات.
وبعدين بصلي.
فلوس اتسرقت من شركاتك بمئات الملايين.
اتجمدت.
مين سرقها؟
ابتسم.
إنت.
صرخت
كداب!
قال
مراتك اكتشفت إن حسابات الشركة اتزوّرت باسمك.
وبعدين قال
ولما حاولت تفتح الموضوع، إحنا احتجنا نخليها تسكت.
سكت.
الكلمة كانت واضحة.
إحنا.
يعني محمود ما كانش لوحده.
قلت
مين معاكو؟
ابتسم.
ناس إنت عمرك ما هتقدر توصل لهم.
وفجأة
سمعت صوت سلمى.
هو مش محتاج يوصل لهم.
ظهرت من فوق السلم.
وفي إيدها موبايل.
وقالت
هم وصلوا له بنفسهم.
محمود اتوتر.
قال
إنتِ!
ابتسمت.
أيوه.
رفعت الموبايل.
كل كلامك متسجل.
واحد من الرجال رفع سلاحه.
وقبل ما يضرب
انطفى النور.
صوت ضرب نار.
صرخة.
وبعدين ظلام.
لما النور رجع
محمود كان واقع على الأرض.
الرجلين اختفوا.
سلمى كانت عند آدم.
وأنا واقف مش فاهم إيه اللي حصل.
قالت
الحرس وصلوا.
بصيت لها.
إزاي؟
ابتسمت.
أنا اتصلت بحسن قبل ما أخرج من البيت.
قلت
بس إنتِ كنتِ معاهم.
قالت
أنا كنت عارفة إنهم هياخدوا آدم.
إزاي؟
قالت
لأن محمود كان بيراقب البيت من أول يوم.
وقتها فهمت.
كل اللي حصل
من البداية
كان اختبار.
بعد القبض على محمود، الشرطة فتشت شركاتي.
والحقيقة ظهرت بالتدريج.
كان فيه شبكة كاملة بتسرق فلوس من شركات كبيرة عن طريق شركات وهمية وحسابات مزورة.
مراتي اكتشفت الموضوع.
ياسين اكتشف جزء منه.
وآدم، بالصدفة، شاف مستندات ما كانش المفروض يشوفها.
عشان كده اتقرر التخلص منهم.
لكن الانفجار أخطأ هدفه.
مراتي ماتت.
آدم نجا.
وبعدها، الشبكة فضلت ساكتة
لأنهم كانوا فاكرين إن الولد مش هيفتكر حاجة.
لكن آدم كان فاكر.
كان فاكر الساعة.
فاكر الرجل.
وفاكر حرفين من اسمه.
أما سلمى
فما كانتش مجرد ممرضة.
كانت أخت ياسين.
وقضت سنتين تجمع الأدلة.
وكانت محتاجة تدخل البيت من غير ما حد يشك فيها.
بعد ست شهور
دخلت أوضة آدم.
كان قاعد على كرسيه.
لكن المرة دي
مش جنب الشباك.
كان قدام مكتب.
وبيكتب.
بصلي وقال
بابا.
وقفت مكاني.
كانت الكلمة أوضح من المرة الأولى.
ضحكت.
نعم يا حبيبي؟
قال
أنا خلصت.
بصيت على الورقة.
كان بيرسم.
عربية.
بيت.
أمه.
وبعدين رسم نفسه واقف.
مش قاعد.
سألته
إيه ده؟
ابتسم.
أنا.
ضحكت.
بس إنت قاعد.
قال
مش في الرسمة.
وسكت.
أنا بصيت له فترة طويلة.
وبعدين قلت
عارف يا آدم؟
إيه؟
أنا طول السنة اللي فاتت كنت فاكر إني بحميك.
سكت.
طلعت إنت اللي رجعتني للحياة.
ابتسم.
أما سلمى
رفضت كل مرة عرضت عليها تشتغل معايا رسمي.
قالت
أنا جيت هنا عشان مهمة وخلصت.
قلت لها
إنتِ مش موظفة عندي.
قالت
أمال إيه؟
قلت
من أهل البيت.
ضحكت.
دي أخطر ترقية في حياتي.
قلت
المرتب هيزيد.
قالت
كده نتكلم.
ضحكنا.
ولأول مرة من سنين
البيت ما بقاش ساكت.
بقى فيه صوت آدم.
وصوت ضحكه.
وصوت عجلات كرسيه وهو بيجري في الطرقة.
أيوه
لسه بيجري.
بطريقته.
بعد سنة، وقفت قدام قبر مراتي.
آدم كان جنبي.
حط وردة.
وقال
ماما أنا بقيت بتكلم.
سكت شوية.
وبعدين قال
وبابا بطل يزعق.
بصيت له.
إيه؟!
ضحك.
وسلمى كانت واقفة بعيد، بتضحك هي كمان.
بصيت للسماء.
وقلت في سري
أنا آسف إني قضيت وقت طويل أفتش عن اللي خانني
ونسيت أشوف مين كان بيحاول ينقذنا.
رجعنا البيت.
دخلت غرفة المراقبة القديمة.
وقفت قدام الشاشات.
كل كاميرا كانت شغالة.
لكن لأول مرة
ما كانش عندي رغبة أبص عليها.
قفلت الشاشة.
وقبل ما أخرج، سمعت آدم من بعيد
بابااا!
رديت
نعم؟
قال
تعالى بسرعة!
جريت له.
لقيته واقف بمساعدة المشاية.
واقف.
لأول مرة من يوم الحادث.
سلمى كانت وراه، ماسكة المشاية.
آدم بصلي.
وقال
أنا لوحدي.
وبعدين ساب إيده.
خطوة.
وبعدين خطوة تانية.
أنا ما اتكلمتش.
ما قدرتش.
لحد ما وقع في حضني.
مسكته وأنا بعيط.
ضحك وقال
متعيطش يا بابا.
قلت
مش بعيط.
قال
كذاب.
ضحكت وسط دموعي.
وفي اللحظة دي فهمت حاجة واحدة
أحيانًا أكبر خيانة في حياتنا
مش بتكون إن حد يخدعنا.
أحيانًا أكبر خيانة
إننا نصدق إن اللي خسرناه انتهى للأبد.
مراتي راحت.
وده وجع عمره ما هيروح.
لكن ابني كان لسه هنا.
وسلمى كانت لسه هنا.
وأنا
كنت لسه هنا.
ولأول مرة من سنين، البيت اللي كنت فاكره مقبرة
بقى بيت بجد.
ومن يومها، شلت كل الكاميرات من جوه البيت.
وخليت كاميرا واحدة بس.
عند البوابة.
مش عشان أخاف من اللي داخل
لكن عشان أحرس اللي جوه.
آدم.
ابني.
والحياة الجديدة اللي رجعنا نبنيها من وسط كل الخراب.