• مركز التحميل

  • أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات هرقلة ستار | Hergla Star Forums، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





    الملاحظات

    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد


    • رواية
    • -->
    04-06-2026 19:38
    معلومات الكاتب ▼
    إنضم في:
    24-03-2022
    رقم العضوية :
    1
    المشاركات :
    1648
    الدولة :
    تونس
    قوة السمعة :
    100
    جوزي كل جمعه كان بيعملي مساج للعضم غريب جدا ..كنت فكراه احن زوج في الدنيا لحد ما الدكتوره صاحبتي فوقتني على اكبر مصيبه بتحصل في حياتي !!!!!!
    زي كل يوم جمعة.
    الساعة دقت تسعة بالليل، وكان “أحمد” مجهزلي مية دافية بملح لرجلي وجسمي زي عادته.
    بخار المية كان مالي الحمام ومغطي المرايات بطبقة ضباب.
    قرب مني وبكل حنية بدأ يفك زراير البيجامة.
    “يا نورا يا حبيبتي، يومك كان متعب النهاردة؟”
    صوته الهادي الرزين كان دايماً بيحسسني بالأمان.
    سندت راسي على كتفه وهزيت راسي بالنفي:
    “لأ، الشغل في الشركة النهاردة كان خفيف الحمد لله.”
    “طب الحمد لله، انزلي في المية الدافية دي فكي جسمك، وعقبال ما تخلصي أكون جهزت الزيت عشان أعملك الجلسة.”
    باس دماغي بحنية، وقلبي دايب في طيبته.
    سبع سنين جواز، وأحمد هو هو ميتغيرش، نفس الحنية والاهتمام من أول يوم.
    وبالذات “جلسة العضم” اللي هو اخترعها دي، كانت مخلية ثقتي فيه عمياء.
    كان دايماً يقولي إن قعدتي الكتير قدام الكمبيوتر مأثرة على حوضي ومخلية العضم يرحل سنة، وإننا لو مصلحناش ده أول بأول، هيعملي مشاكل قدام.
    وعشان كده، من تاني شهر جواز لينا، وبشكل دوري كل جمعة بالليل، مهما كان وراه شغل أو تعبان، كان لازم يعملي الجلسه.
    نمت على السرير الكبير.
    وحسب ما هو معودني، أخدت الوضعية الثابتة اللي بيطلبها مني كل مرة.
    ضميت رجلي وفتحت ركبي لبرة شوية.
    حط إيديه الدافيين على وسطي ومنطقة الحوض.
    “إرخي جسمك خالص يا نورا، وسيبي نفسك ليا.”
    غمضت عيني ونا مستسلمه تماماً، مفيش أي مجال للشك.
    حركاته كانت تبان احترافية جداً، يبدأ يضغط براحة كأنه بيحدد مكان العضمة بالظبط.
    وبعدين يضغط بقوة منتظمة ومدروسة، لحد ما أسمع صوت “تَكّة” خفيفة أوي، ساعتها بس يشيل إيده.
    الموضوع مكنش بيوجع خالص، بالعكس، كنت بحس بتنميل مريح بعدها.
    وفعلاً طول السبع سنين وجع ظهري مكنش بيجيلي زي زمان، وكل ما نخلص كنت بحس براحة في جسمي كله.
    “خلاص يا ستي، حمد الله على السلامة.”
    أحمد شد عليا اللحاف وغطاني بكل حرص: “حاسة بإيه دلوقتي؟”
    “تسلم إيدك يا حبيبي، والله أنت دكتور ومخبي علينا.”
    ضحك ضحكته الصافية اللي تخطف العين: “أنتي بنتي وحبيبتي، إن مكنتش أدلعك أنتي هدلع مين يعني؟”
    في اللحظة دي، الباب اتفتح فجأة.
    حماتي، “الحاجة أم أحمد”، دخلت وشايلة في إيدها طبق شوربة دافي.
    زي عوايدها، مبترضاش تخبط على الباب، وخلال السبع سنين أنا خلاص اتعودت ومبقتش أضايق.
    “يا أحمد، يا نورا.. عملتلكوا شوربة كوارع ترم العضم، اشربوها وهي سخنة يلا.”
    أحمد أخد منها الطبق وبصلي، وفهمت النظرة دي على طول.. حماتي جاية “تطمن” كالعادة.
    “يا أمي تعبتي نفسك ليه بس، كنتي ارتاحي وأنا هعمل كل حاجة.” أحمد قالها بنبرة عتاب حنينة.
    “يا ضنايا مبيجيليش نوم إلا لما أطمن عليكوا وأشوفكوا تمام.”
    نظرات حماتي لفت على جسمي، نظرة فاحصة وفيها حاجة مش مريحة عمري ما عرفت أفسرها.
    “نورا خاسة أوي يا أحمد، لازم تتغدى كويس.”
    وبعدين بصت على منطقة حوضي وهزت راسها برضا تام: “والله وطلعت بتفهم يا أحمد.”
    “تفتيح الحوض ده ممتاز، شكل حوضها بقى عريض ومليان عن الأول.”
    “العضم لما يفتح كده، الولادة هتبقى سهلة والبطن تشيل بالثلاثة والأربعة.”
    وشي احمر من الكسوف، بس أحمد ابتسم بانتصار وكأنها بتقوله شهادة تقدير في وشه.
    ناولني الشوربه وقال: “اشربي يلا، دي بركة الحاجة.”
    شربت الشوربة كلها ونفسي مليانة رضا ودفا.
    كنت فاكرة نفسي أسعد ست في الدنيا؛ جوز يحبني وحماة شايلة همي ومستقبلنا.
    مكانش يخطر على بالي أبدًا، إن كلمة “العضم يفتح” والابتسامة اللي على وش أحمد وراها سر أسود.
    تاني يوم كان السبت.
    صحابي كانو مصرين نقضي يوم مع بعض نفتكر ايام زمان …ولما قولت لاحمد معترضش لا ده كمان وصلني بنفسه لحد المطعم، وقبل ما أنزل عدلي ياقة الجاكيت بحنان:
    “أول ما تخلصي كلميني، هاجي آخدك فوراً.”
    “حاضر يا حبيبي، لا إله إلا الله.”
    “محمد رسول الله.”
    بسته في خده ونزلت.
    المكان كان مليان، ضحك وهزار وذكريات عشر سنين فاتت من ساعة التخرج، كل واحد فينا شكله اتغير شوية بس الروح هي هي.
    أول ما قعدت، لقيت “مروة” قاعدة جنبي، دي كانت صاحبتي الأنتيم زمان، ودلوقتي بقت دكتورة يشار إليها بالبنان في الدمرداش.
    “نورا! أخيراً شرفتينا!” مروة أخدتني بالحضن.
    “كل ما نكلمك تقوليلي مشغولة، كويس إننا شفنا وشك.”
    ضحكت بكسوف: “والله البيت ومسؤولياته بقى.”
    “بيت إيه بس! إحنا كلنا عارفين إنك متجوزة سي السيد النسخة الحنينة، اللي منيمك في العسل ومقعدك هانم.” واحدة من زميلتنا هزرت وكلنا ضحكنا.
    سيرة أحمد دايماً بتخليني أبتسم تلقائي: “على فكرة يا مروة..” افتكرت حاجة فجأة.
    “أنتي بقى بتاعت العظام والدكاترة الكبار، اسمعي الحكاية دي وقوليلي جوزي ده مش عبقري؟”
    “أحمد بيعرف يطقطق العضم ويظبطه!”
    مروة استغربت: “يطقطق العضم؟”
    “آه، برغم إنه شغال في البورصة والحسابات، بس قاري ومثقف جداً، بيظبطلي عضم الحوض كل أسبوع.”
    “بيقول إن حوضي ملووح سنة من قعدة المكتب، وبيعملي حركة كده يظبطه بيها.”
    “بيضغط براحة في حتت معينة لحد ما أسمع صوت ‘تك’ كده، والدنيا بتتظبط.” وبدأت أشرح بإيدي.
    “بقاله سبع سنين مبيفوتش جمعة، وفعلاً ظهري مبقاش يوجعني خالص.”
    البنات حواليا بدأوا يشهقوا من الإعجاب:
    “يالهوي يا نورا، جوزك ده لقطة!”
    “ده مفيش منه اتنين والله، بيعرف في العضم كمان؟”
    وسط كل كلام الانبهار ده، أنا كنت منفوخة بالفخر، بس فجأة لمحت وش مروة.
    الضحكة اختفت تماماً من على وشها، وحل مكانها خوف غريب يرعب.
    “نورا.” صوتها بقى حاد وجاد جداً.
    “عيدي اللي قولتيه ده تاني كده؟”
    “بالظبط.. بيحط إيده فين؟ وبيضغط إزاي؟ وصوت التكة ده بيطلع من أنهي حتة في جسمك؟”
    تنحت ومبقتش فاهمة في إيه: “يعني.. عند الوسط كده ومنطقة الحوض من ورا.”
    “والضغط مش جامد، براحة خالص.”
    “والصوت.. بيبقى طالع من الحوض من تحت.. بين الفخدين والظهر.”
    حواجب مروة اتلفت في بعض، ورزعت الشوكة من إيدها على الترابيزة لدرجة إن الطبق اتهز.
    بصتلي وكأنها بتشوف كابوس: “الموضوع ده بقاله قد إيه؟”
    “سبع سنين.”
    “كل أسبوع؟”
    “آه.. كل جمعة.”
    في اللحظة دي، وش مروة بقى زي الأموات، شفايفها بترتعش وكأنها مش قادرة تنطق باللي في دماغها.
    الكل سكت في القاعة، الأجواء اتقلبت غموض ورعب.
    “مروة.. في إيه؟ خضيتيني؟” سألتها بصوت واطي.
    مردتش عليا، كانت بتبصلي بنظرة شفقة وذهول مخلتنيش على بعضي.
    وفجأة..
    قامت واقفة وشدتني من معصم إيدي بكل قوتها، إيدها كانت سِقْعة زي الثلج وبترتعش:
    “تعالي معايا حالاً!”
    ومن غير ما تديني فرصة أفهم، سحبتني وراها وسط نظرات الذهول من كل اللي قاعدين، وخدتني على الحمام وقفت الباب وراها..
    صوتها كان بيرتعش وهي بتقولي جملة واحدة بس..
    جملة واحدة كانت كفيلة تخلي ركبي تخونني، ومقدرش أقف على رجلي ولولا إني سندت على الحيطة كنت وقعت من طولي…..
    سندت ضهري على سيراميك الحمام الساقع، والنفس طالع مني بالعافية.. مروة كانت واقفة قدامي، وشها خالي من أي نقطة دم، وعينيها فيها نظرة رعب عمري ما شفتها في حياتي.. مسكت كتفي الاتنين وضغطت عليهم جامد وهي بتقولي بصوت واطي ومبحوح كأنه طالع من سرداب:
    “جوزك مش بيظبطلك عضمك يا نورا.. جوزك بيبوظلك حوضك وعضلاتك عشان تفضلي عاقر طول عمرك وماتخلفيش!”
    الكلمة نزلت على ودني زي الصاعقة.. حسيت إن السقف بيلف بيا، والمكان كله بيموج.. ضحكت ضحكة بلهاء، ضحكة خوف وعدم استيعاب:
    “إيه اللي أنتي بتقوليه ده يا مروة؟ أنتي اتجننتي؟ أحمد؟ أحمد اللي بيموت في التراب اللي بمشي عليه؟ أنتي عارفة هو بيحبني قد إيه؟ ده مبيفوتش أسبوع من سبع سنين إلا لما…”
    “إلا لما يكسر فيكي حتة!” مروة قاطعتني وزعقت بصوت مكتوم وهي بتنهج: “افهمي يا غبية! الحركة اللي بتوصفيها دي، والضغط على نقط معينة في الحوض لدرجة تسمعي صوت ‘تكة’، دي مش مساج ولا ‘طقطقة’ عادية! دي حركة بتتعمل في كيروبراكتيك الغرب بطرق معينة لعلاج حالات نادرة، بس لما تتعمل كل أسبوع، بانتظام، وعلى مدار سبع سنين، ومن غير سبب طبي.. دي بتعمل حاجة اسمها ‘خلع جزئي مزمن’ وارتخاء في أربطة الحوض وتشويه في زاوية الرحم وعنق الرحم!”
    مسكت راسي بإيديا الاتنين، دموعي نزلت فجأة ومن غير إرادة.. ذكريات السبع سنين بدأت تمر قدام عيني زي شريط سينما سريع.. نظرات حماتي.. شوربة الكوارع.. “تفتيح الحوض ده ممتاز”.. “البطن تشيل بالثلاثة والأربعة”.. الكلام كان بيرن في ودني وبيتفسر في عقلي بطريقة تانية خالص.. طريقة مرعبة.
    مروة كملت وهي بتمسح دموعي اللي غرقت وشي: “نورا.. أنتي مش بقالك سبع سنين متجوزة وبتلفوا على الدكاترة وكلهم بيقولوا مفيش سبب واضح لتأخر الخلفة؟ مش كل التحاليل بتاعتك وبتاعته بتطلع سليمة؟”
    هزيت راسي وأنا برتعش: “آه.. كله بيقول سحر.. حسد.. عدم توافق.. بس مفيش عيب طبي.”
    “عشان العيب الطبي هو بيصنعه بإيديه كل يوم جمعة!” مروة زعقت وهي بتضغط على إيدي: “الضغط المستمر ده بيخلي الرحم في وضعية مقلوبة ومستحيل يستقبل حيوانات منوية أو يثبت فيه جنين.. الصوت اللي بتسمعيه ده هو صوت الأربطة وهي بتتطوح من مكانها.. والتنميل المريح اللي بتحسيه بعد الجلسة؟ ده مش راحة يا نورا.. ده تخدير مؤقت للأعصاب نتيجة الضغط العنيف عليها.. جوزك دارس الحركة دي كويس، أو حد قايله عليها بالملي!”
    وقعت على أرضية الحمام.. السيراميك الساقع كان بيرد في جسمي كله، بس قلبي كان أسقع.. افتكرت نظرة أحمد.. طيبته.. حنيته.. خوفه عليا.. لما كنت بعيط عشان نفسي في عيل، كان ياخدني في حضنه ويقولي: “أنتي عندي بالدنيا يا نورا، مش عايز عيال، أنا عايزك أنتي وبس”.. كنت بشوفه ملاك! طلع شيطان؟ طلع بيغفلني؟
    مروة قعدت في الأرض جنبي واحتضنتني: “نورا.. لازم تجمدي.. إحنا لازم نتأكد الأول.. بكرا السبت، العيادة بتاعتي مقفولة بس أنا هفتحها مخصوص عشانك.. هجيب دكتور أشعة زميلي ثقة، وهنعملك أشعة رنين مغناطيسي (MRI) وأشعة بالصبغة على الحوض والرحم ونشوف الوضع إيه.. لو كلامي صح.. الحوض عندك هيبقى مشوه والرحم ملووح بطريقة متخيلهاش.. ساعتها لازم تواجهي الكابوس ده.”
    مش فاكرة بقية اليوم عدا إزاي.. رجعت لصحابي في الصالة ووشي أصفر زي الليمونة.. حاولت أبتسم وأجاري ضحكهم بس صوت مروة كان زي الشاكوش في دماغي.. لما أحمد جه ياخدني، ووقفت قدام عربيتة، حسيت لأول مرة إني خايفة منه.. الخوف كان بيجري في عروقي زي السم..
    فتحلي الباب وابتسم نفس الابتسامة اللي كنت بدوب فيها: “نورتي يا حبيبتي.. اتبسطتي مع صحابك؟”
    بلعت ريقي بالعافية وبصيت الناحية التانية: “الحمد لله يا أحمد.. تعبانة شوية وعايزة أنام.”
    حط إيده على ركبتي بحنان.. جسمي انتفض واتقشعر كأن حية لمستني.. لاحظ هو ده وسألني بقلق: “مالك يا نورا؟ جسمك ساقع ليه؟ أنتي تعبانة؟”
    “لأ.. شوية برد بس من التكييف في المطعم.”
    طول الطريق كنت ببص من الشباك والدموع محبوسة في عيني.. وصلنا البيت، ودخلت نمت فوراً، أو عملت نفسي نايمة.. أحمد دخل ورايا، غير هدومه وقعد على السرير، وجاب زيت اللافندر اللي بيحبه.. وقرب مني: “نورا.. لو حاسة ببرد أو ضهرك قفش من قعدة المطعم، أعملك جلسة سريعة تفكك؟”
    الكلمة خلت قلبي يقف.. اتديرت بسرعة وقولت بصوت متقطع: “لأ! لأ يا أحمد.. أنا عايزة أنام بس.. مش قادرة.. سيبني ارتاح.”
    بصلي باستغراب.. نظرة فاحصة، ذكية، ريبتني.. بس ابتسم وقال: “ماشي يا حبيبتي.. ارتاحي.”
    تاني يوم الصبح.. سبت أحمد نايم ونزلت بحجة إني رايحة أشتري طلبات للبيت.. روحت على عيادة مروة.. كانت مستنياني هي ودكتور الأشعة..
    دخلت الأوضة.. نمت على جهاز الأشعة.. الجهاز كان بيطلع أصوات عالية ومزعجة، بس مكنتش أعلى من صوت ضربات قلبي.. كنت بدعي ربنا تطلع مروة غلطانة.. بدعي تطلع بتخرف وتكون غيرانة مني ومن حنية جوزي.. يارب اكون بحلم.. يارب أحمد يطلع بريء.
    بعد ساعة.. قعدت في مكتب مروة.. الدكتور زميلها كان ماسك الأفلام بتاعة الأشعة وشه مقلوب تماماً.. بص لمروة وهز راسه بأسف، وبعدين بصلي وقال:
    “مدام نورا.. أنا مش عارف أقولك إيه.. بس الحوض عندك فيه حالة غريبة جداً.. مفيش أي كسر أو حادثة قديمة، بس الأربطة المحيطة بعظام الحوض مرتخية بشكل مرعب، وعضام الحوض ‘مفتوحة’ ومبعدة عن مسارها الطبيعي بشكل مشوه.. ده مأثر على زاوية الرحم وعنق الرحم وخلاهم متشفيرن لورا تماماً في وضع مستحيل يحصل معاه إخصاب.. الحالة دي متحصلش إلا لو فيه ضغط ميكانيكي خارجي، عنيف ومستمر، بيتعمل بقاله سنين وبشكل دوري.”
    الدنيا اسودت في عيني.. مروة مسكت إيدي وهي بتعيط.. الدكتور كمل بذهول: “الغريب إن اللي بيعمل كده عارف هو بيعمل إيه بالظبط.. بيضغط لحد تكة معينة عشان يعمل الارتخاء ده من غير ما يكسر العضمة.. ده تعذيب ممنهج يا مدام نورا! أنتي لو استمريتي على الوضع ده سنة كمان، مش بس مش هتخلفي.. أنتي كمان كام سنة مش هتعرفي تمشي على رجليكي!”
    خرجت من العيادة زي المجنونة.. مبقتش شايفة قدامي.. السبع سنين كلهم اتقلبوا لخدعة كبيرة.. الحنان كان سم.. والاهتمام كان فخ.. وأنا كنت الضحية الغبية اللي بتسلم نفسها للجلاد كل جمعة وهي بتشكر فيه!
    ركبت تاكسي وروحت على البيت.. عقلي كان شغال زي المكنة.. ليه؟ ليه أحمد يعمل فيا كده؟ وهو بيموت فيا؟ وليه حماتي كانت فرحانة وبتقول “العضم لما يفتح الولادة هتبقى سهلة والبطن تشيل بالثلاثة والأربعة”؟
    فجأة.. الكلمة نورت في دماغي.. البطن تشيل بالثلاثة والأربعة.. حماتي عارفة! حماتي هي اللي خططت وأحمد هو اللي نفذ! بس ليه؟ هما مش عايزين عيال؟ ولا مش عايزين عيال مني أنا؟
    دخلت الشقة.. مكنش فيه حد.. أحمد كان خرج يشتري حاجة.. قعدت في الصالة وجسمي كله بيرتعش.. فجأة عيني جت على أوضة حماتي.. “الحاجة أم أحمد” اللي ساكنة معانا في الشقة اللي قصادنا ومعاها مفتاح شقتنا وبتدخل في أي وقت..
    قمت ورجلي بتتحرك لوحدها.. دخلت أوضتها.. بدأت أدور في حاجتها.. في أدراجها.. زي المجنونة بقلب كل حاجة.. كنت دايماً بقول دي ست بركة وبتحبني.. فتحت الدولاب بتاعها، وبدأت أنبش في الهدوم.. لحد ما إيدي خبطت في علبة قطيفة قديمة تحت الهدوم الشتوي..
    فتحت العلبة.. لقيت فيها ورق قديم.. شهادات ميلاد.. وعقد.. ودفتر صغير مكتوب بخط الإيد..
    فتحت الدفتر.. كان خط حماتي.. كلام قديم من سنين.. بدأت أقرأ والدم بيتجمد في عروقي:
    “البت نورا حوضها ضيق زي أمها.. لو حملت هتتعب والولد ممكن يموت زي ما أخو أحمد مات وهو بيتولد.. أنا مش هخاطر بابن ابني.. أحمد لازم يتجوز واحدة حوضها واسع تشيل وتجيب عيال زي الرز.. بس أحمد بيحب نورا ومش هيوافق يطلقها.. الحل إننا نربطها من غير ما تحس.. الحركة دي اتعلمتها من الداية القديمة في البلد.. تفتيح الحوض بالضغط بيخلي الرحم يقلب ومفيش عيل يثبت.. وأحمد هيعملها بحجة المساج.. ولما السنين تعدي والبت متخلفش، أحمد نفسه هيزهق ويوافق يتجوز عليها اللي تجيب الود الصالح.. ونورا تفضل معانا خدامة تحت رجلينا ومتقدرش تمشي وتسيب ابني عشان بتحبه!”
    الورقة وقعت من إيدي.. دموعي وقفت.. حسيت بكتلة نار بتولع في صدري.. الغدر مكنش من أحمد بس.. الغدر كان مؤامرة عائلية قذرة.. هما دمروا صحتي، ودمروا أمومتي، وسرقوا سبع سنين من عمري.. عشان في الآخر يرموني ويتجوز عليا!
    في اللحظة دي.. سمعت صوت باب الشقة بيتفتح..
    وصوت أحمد وهو بينادي بحنان: “نورا.. يا حبيبتي أنتي جيتي؟ أنا جبتلك الأكل اللي بتحبيه.. نورا أنتي فين؟”
    سمعت خطواته بتقرب من الأوضة.. وباب الأوضة بدأ يتفتح براحة.. ونظرتي اتحولت لكتلة من الغل والشر المنتقم..
    أحمد فتح الباب براحة، وشه البشوش وحنيته المصطنعة اللي عشت عليها سبع سنين كانت ظاهرة في ابتسامته: “أنتي هنا يا نورا؟ قلقتيني عليكي يا حبيبتي، نزلتي بدري من غير ما تقوليلي…”
    الكلام وقف في زوره أول ما شاف منظري.. كنت واقفة وسط الأوضة، ضهري مسنود على الدولاب المفتوح، الدفتر الصغير والورق مرميين تحت رجلي، وإيديا بتترعش بس عيني كانت بتطلع شرار. نظرة عينه اتقلبت في ثانية من الحنان المفرط للرعب المفاجئ.. بص للورق اللي في الأرض، وبعدين بص لوشي، وبلع ريقه وصوته اتهز:
    “نورا.. أنتي.. أنتي بتعملي إيه هنا؟ وإيه اللي مبهدل الأوضة كده؟”
    “بتسألني بعمل إيه؟” صوتي طلع مخنوق، صرخة مكتومة طالعة من قهر سبع سنين: “أنا اللي بسألك يا دكتور العظام العبقري! يا جوزي الحنين! يا اللي كنت فاكراك ملاك نازل من السما! كنت بتعمل فيا إيه كل يوم جمعة؟ ها؟ قولي.. كنت بتعمل إيه في جسمي؟!”
    أحمد حاول يرجع لقناع البرود والحنان، قرب مني خطوة وفرد إيديه كأنه بيهديني: “نورا يا حبيبتي، اهدي بس، أنتي شكل أعصابك تعبانة.. تعالي نطلع برة الأوضة دي وأنا هفهمك…”
    “ماتلمسنيش!” صرخت فيه بأعلى صوت عندي لدرجة إن حبالي الصوتية وجعتني: “إياك إيدك القذرة دي تلمسني تاني! أنا عرفت كل حاجة.. عرفت “جلسة العضم” اللي كنت بتعملهالي كل أسبوع بانتظام.. عرفت صوت التكة اللي كنت بفرح بيه وأنا غبية وفاكراه راحة.. عرفت الخلع والارتخاء وتشويه الرحم اللي عملتهولي بإيديك.. أنا لسه جاية من عند مروة صاحبتي وعملت أشعة، وعرفت إنك كنت بتبوظلي حوضي عشان ماخلفش!”
    وش أحمد اتقلب تماماً.. القناع الحنين وقع وظهر وشه الحقيقي.. وش بارد، عينه ضيقت، ومبقاش فيه أثر للخوف، حل مكانه نظرة لؤم وخبث عمري ما شفتها فيه: “مروة؟ وأنتي إيه اللي وداكي لمروة؟ ومن امتى وأنتي بتشككي فيا يا نورا؟ أنا جوزك اللي صنتك وسيد الرجالة معاكي.. هعمل فيكي كده ليه يعني؟”
    “عشان دي!” وطيت أخدت الدفتر من الأرض ورميته في وشه بكل قوتي: “عشان أمك الحرباية خططت وأنت نفذت! عشان خايفين أحمل وأموت زي أخوك! عشان حوضي ضيق ومش عاجب الحاجة أم أحمد! قريت كلام أمك بخط إيدها.. قريت المؤامرة الوسخة اللي عيشتوني فيها سبع سنين.. كنت بتاخدني في حضنك وتواسيني وأنا بعيط على العيال، وأنت الصبح بتدعي الحنية وبالليل بتموت فيا حتة حتة!”
    أحمد بص للدفتر اللي وقع في الأرض، ومسح على وشه بنفاد صبر.. وفجأة، ضحك.. ضحكة باردة مستفزة، خلت شعر جسمي يقف: “ماشي يا نورا.. مادام قريتي وعرفتي، يبقى ملوش لزمة اللف والدوران.. بس متظلمنيش.. أنا عملت كده عشان بحبك!”
    “تحبني؟!” قولت الكلمة وأنا حاسة بمرار في بوقي: “تدمر صحتي وتحرمني من الأمومة وتقلب رحمي وتقرب تشلني وتقولي بتحبني؟!”
    “آه بحبك!” زعق فيا وهو بيقرب ويشاور بصباعه في وشي: “أمي لما قالتلي إنك ممكن تموتي لو حملتي، أنا اتهزيت.. أنا شوفت أبويا وهو بيموت من الكسرة لما أخويا مات في بطن أمي وكان هيموتها معاها.. أمي قالتلي إن ده الحل الوحيد عشان نضمن إنك متحميش وفي نفس الوقت متسيبنيش.. أنا مكنتش عايز أطلقك.. وقولت لنفسي إيه يعني عيال؟ ما إحنا عايشين ومبسوطين! الجلسة دي مكنتش بتوجعك، وأنا كنت بعملها بالملي عشان متتأذيش جامد.. يعني أنا كنت بحميكي من نفسك!”
    “أنت مريض.. أنت وأمك مرضى ونرجسيين!” دموعي نزلت بغزارة من الصدمة: “بتحميني؟ أنت دمرتني! الدكتور بيقولي حوضك مشوه وممكن بعد كام سنة متقدريش تمشي على رجليكي! أنت سرقت عمري وصحتي وحلمي.. أنت مش بني آدم، أنت شيطان!”
    في اللحظة دي، الباب الخارجي للشقة اتفتح، وسمعنا صوت خطوات سريعة داخلة علينا.. كانت حماتي، “الحاجة أم أحمد”.. دخلت الأوضة ووشها باين عليه إنها كانت سامعة الزعيق من شقتها.. بصت عليا وبصت للدفتر المرمي، وفهمت كل حاجة في ثانية..
    بدل ما تتكسف أو تخاف، حطت إيدها في وسطها وبصتلي بنظرة كلها جبروت وقوة: “جرى إيه يا بت يا نورا؟ صوتك جايب لآخر الشارع ليه وسامعاكي بتغلطي في ابني وفيَّا؟”
    “تعالي يا حاجة.. تعالي شوفي خطتك العبقرية!” صرخت فيها وأنا بجري عليها: “يا مؤمنة! يا بتاعة ربنا وشوربة الكوارع اللي بترُم العضم! كنتي بتبعتي ابنك يكسر فيا كل جمعة عشان حوضي مش عاجب جنابك؟ دمرتوني.. حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا.. ربنا ينتقم منكوا!”
    حماتي قربت مني بكل برود وزقتني في كتفي: “أنا عملت كده عشان أحمي ابني وسلالته! ابني من حقه يشوف حتة عيل يشيل اسمه.. وأنتي من يوم ما دخلتي بيتي وأنا عارفة إن عضمك ناشف وفيكي عيب ومش هتعمري.. أحمد كان متمسك بيكي وبيبكي بدل الدموع دم لما قولتله نطلقها ونشوف غيرها.. قولتله خلاص، الخلفة من البت دي خطر، نعمل الحركة دي لحد ما السنين تعدي وتبرد نار حبها في قلبه، وهو بنفسه يطلب يتجوز.. وإحنا منقصناش منك حاجة! واكلين شاربين قايمين بيكي، وابني مدلعك.. جاية دلوقتي تعمليلنا فيها ضحية؟”
    الكلام كان بيطعن في قلبي زي السكاكين.. السبع سنين كلهم كانوا مسرحية.. الدلع، الحب، السفر، الهدايا، الخوف عليا.. كله كان تمن السكوت وتمن الجريمة اللي بتحصل في جسمي.. بصيت لأحمد لقيت واقف ورا أمه، وشه مفيش فيه أي ندم، كأنه مقتنع تماماً إن اللي عملوه ده صح وشرعي.
    “أنا مش هقعد في البيت ده ثانية واحدة” قولت الكلمة وأنا بتحرك ناحية الباب: “أنا هوديكوا في داهية.. هرفع قضية بالتقرير الطبي والأشعة اللي معايا وهحبسكم.. هخرب بيتكم زي ما خربتوا حياتي.”
    أحمد جري عليا ومسك إيدي بعنف ولواها ورا ضهري: “تروحي فين يا روح أمك؟ تشتكينا؟ أنتي اتجننتي بجد؟ الأشعة دي بليها واشربي ميتها.. مين هيصدق إن مساج بيتعمل من سبع سنين هو السبب؟ هتقولي للقاضي إيه؟ جوزي كان بيطقطقلي ضهري فبوظلي رحمي؟ هيقولوا عليكي مجنونة وبتتبلي علينا عشان مب تخلفيش!”
    حاولت أفك إيدي منه وأنا بصوت: “سيبني يا أحمد.. سيبني بقولك!”
    حماتي ضحكت بشر وشماتة: “سيبها يا أحمد.. سيبها تخرج بالهدوم اللي عليها دي.. بس افتكري يا نورا.. لو رجلك خطت برة الباب ده، لا ليكي حق ولا باطل عندنا.. والتقرير بتاعك ده ميسواش بصلة.. ومحدش هيصدقك.. ده أنتي أهلك نفسهم هيقولوا عليكي اتهبلتي من كتر ما نفسك في عيل!”
    كلامها كان حقيقي ومرعب.. مين هيصدق؟ السبع سنين مكنش فيهم أي أثر لضرب أو إهانة.. الكل عارف إن أحمد هو الزوج المثالي اللي مفيش منه اتنين.. أهلي نفسهم دايماً بيقولولي “بوسي إيدك وش وضهر إن ربنا رزقك بأحمد”.. لو روحت وقولتلهم أحمد كان بيعملي مساج يبوظ الرحم، هيفتكروني اتجننت من تأخر الحمل وضغط الدكاترة..
    أحمد ساب إيدي بالراحة لما لقاني هديت واستسلمت.. بصلي بنظرة انتصار وثقة: “نورا.. فكري بعقل.. أنتي مالكيش غيري.. أنا بحبك وعمري ما هسيبك.. اقبلي بالواقع.. العيال مش كل حاجة.. إحنا نعيش مع بعض زي ما إحنا، وأنا هعوضك عن أي حاجة.. بلاش تخربي بيتك بإيديكي عشان أوهام في دماغ صاحبتك مروة.”
    بصيت لوشوشهم.. الوشوش اللي عشت معاها سبع سنين وكنت بأمنلهم أكتر من نفسي.. حسيت بقرف واشمئزاز ملوش أول من آخر.. الخوف اللي كان جوايا اتمحى، وحل مكانه رغبة عارمة في الانتقام.. رغبة إني أهد المعبد ده على دماغهم، بس بالذكاء.. مش بالصوت الحياني والفضايح اللي هتضيع حقي.
    أخدت نفس طويل.. وحاولت أجمع شتات نفسي.. مسحت دموعي بكم الجاكيت.. وبصيت في الأرض كأني بفكّر وكأن كلامهم كسرني وهدني..
    حماتي بصت لأحمد وهزت راسها برضا، كأنها بتقوله “البنت اتكسرت وخافت”..
    “أنا عايزة أقعد لوحدي..” قولت الكلمة بصوت واطي ومكسور، باين فيه قلة الحيلة: “سيبوني دلوقتي.. أنا مش قادرة أستوعب كل ده.. عايزة أنام.”
    أحمد قرب مني وحاول يحط إيده على كتفي: “حقك يا حبيبتي.. استهدي بالله كده وكل حاجة هتتصلح.. أنا هسيبك ترتاحي.”
    حماتي أخدت الدفتر والورق من الأرض، وبصتلي ب تحذير: “الورق ده هيفضل معايا.. وعيادة صاحبتك دي مت عتبيهاش تاني.. يلا يا أحمد سيبها تفوق لنفسها.”
    خرجوا هما الاتنين وقفلوا باب الأوضة وراهم.. أول ما الباب اتقفل، ملامح وشي المكسورة اختفت تماماً.. قمت وقفت وجسمي كله مشدود زي الوتر.. روحت ناحية التسريحة، مسكت موبايلي، وفتحت الواتساب.. وبعت رسالة لمروة:
    “مروة.. كلامك صح.. الموضوع أكبر من مجرد مرض.. دي مؤامرة.. أنا محتاجة مساعدتك.. قوليلي للتقرير الطبي والأشعة يقدروا يثبتوا الجناية دي لو فيه دكتور شرعي؟ وبسرعة يا مروة عشان هما فاكرين إني اتكسرت.”
    قعدت على السرير وعيني على الباب.. عقلي كان شغال زي خطة حرب.. مش هسيب حقي.. السبع سنين دول هيدفعوا تمنهم غالي أوي.. بس الخطوة الجاية لازم تكون مدروسة بالملي.. وفجأة سمعت صوت أحمد برة وهو بيتكلم في التليفون بصوت واطي ومريب.. قمت براحة وقربت من الباب عشان أسمع بيقول إيه..
    حطيت ودني على خشب الباب، ونفسي مكتوم جوة صدري.. كان صوت أحمد طالع من الصالة واطي جداً، نبرة تانية خالص غير اللي كان بيكلمني بيها من دقيقتين.. نبرة فيها توتر وخوف حقيقي بيحاول يداريه.
    “بقولك الموضوع اتكشف يا أمي.. البت عملت أشعة وصاحبتها الدكتورة فهمتها كل حاجة!” أحمد كان بيمسح رجله في الأرض بضيق وهو بيتكلم في الموبايل، وعرفت إنه بيكلم أمه اللي نزلت شقتها بسرعة عشان تخبي الدفتر.
    سمعته سكت شوية بيسمع ردها، وبعدين كمل بعصبية مكتومة: “قضية إيه وبلاغات إيه بس! أنتي مش قايلالي إن الحركة دي أقصاها تعمل تأخير حمل ومحدش يكشفها؟ الدكتور اللي شاف الأشعة قالها ده تشويه متعمد وممكن يجيلها شلل كمان كام سنة! لو البت دي راحت لدكتور شرعي وفهم اللعبة، إحنا هنروح في داهية.. أنا مستقبلي في البورصة والشغل هيضيع!”
    سكت تاني، ونبرة صوته اتقلبت لشر وخباثة: “تفتكري هتعمل عبيطة؟ أنا سيبتها جوة بتعيط ومكسورة، بس نورا مش سهلة.. أنا خايف تكون بتمثل عشان تخرج من البيت بالتقرير.. لاء، أنا مش هسيبها تغيب عن عيني، وتليفونها ده لازم يتفتش.. ومروة صاحبتها دي أنا هعرف أتصرف معاها إزاي.”
    جسمي كله سقع.. حسيت إن الدم هرب من عروقي.. هو مش بس مش ندمان، ده بيفكر إزاي يكمل عليا ويقفل بوقي! رجعت بضهري لورا براحة عشان مايعملش أي صوت، واترميت على السرير.. مسكت الموبايل بسرعة ولغيت تفعيل البصمة وقفلته خالص بباسورد معقد، ومسحت الشات اللي بيني وبين مروة فوراً.. مش هسيبله فرصة يمسك عليا حاجة.
    دقيقة والباب اتفتح.. دخل أحمد وشه راجع لطبيعته الهادية، مرسوم عليه قلق مزيف يقرف.. قرب وقعد على طرف السرير، ومد إيده يلمس شعري.. كنت قرفانة لدرجة الخنوع، بس جبرت نفسي أثبت وماتحركش عشان الخطة تكمل.
    “نورا.. حبيبتي.. أنتي لسه زعلانة مني؟” صوته كان ناعم زي الحية.
    بصيتله بعيون دبلانة وعملت نفسي بنهج: “أنت كدبت عليا يا أحمد.. دمرتني.. أنا مش قادرة أصدق إنك تعمل فيا كده.”
    أحمد اتنهد وباس إيدي—اللي كنت عايزة أقطعها في اللحظة دي: “والله العظيم كل ده من حبي ليكي.. أنا مكنتش عايز أخسرك، وأمي كانت بتملى دماغي.. حقك عليا، من النهاردة مفيش جلسات تاني خالص، وهوديكي لأكبر دكاترة يعالجوا الحوض ويرجعوا كل حاجة زي الأول.. بس أنتي سامحيني وبلاش تخربي بيتنا.. تليفونك عمال يرن، مين بيكلمك؟”
    عينه جت على الموبايل اللي في إيدي.. قلبي دق بسرعة بس ثبت: “دي مروة.. أكيد قلقانة عليا بعد ما سبتها وجريت.. مش قادرة أرد عليها ولا أقولها إن جوزي بيعمل فيا كده.. شكلي بقى وحش أوي قدامها.”
    أحمد ارتاح شوية لما لقى كلامي فيه انكسار، وعينه لمعت بانتصار: “أيوة كده يا حبيبتي.. صاحبتك دي متدخليهاش بيننا تاني.. هاتي التليفون ده طيب وأنا هرد عليها أقولها إنك نايمة وتعبانة.”
    “لأ.. أنا قفلته خالص مش عايزة أسمع صوته.. سيبني أنام يا أحمد.. سيبني لوحدي.”
    تاني يوم الصبح.. الأحد..
    أحمد نزل الشغل بعد ما اتأكد إني نايمة ومش قادرة أقوم من السرير.. أول ما قفل الباب بالمفتاح من برة—عشان يضمن إني مش هخرج—قمت زي العفريت.. فتحت الموبايل وكلمت مروة مكالمة سرية على برنامج مشافوش.
    “نورا! أنتي فين؟ أنا وبابا قالبين الدنيا عليكي ومستنيين ردك!” صوت مروة كان مرعوب.
    “مروة.. اسمعيني بالملي.. أحمد حبسني في الشقة وقفل عليا بالمفتاح.. هو وأمه عارفين إنهم في مصيبة وبيحاولوا يلموا الموضوع ويهددوني.. قوليلي، باباكي قال إيه؟” (بابا مروة محامي كبير ومستشار قانوني قديم، وهو ده السند اللي فكرت فيه).
    مروة صوتها اتغير وبقى فيه نبرة قوة: “بابا لما شاف الأشعة وسمع الحكاية اتجنن! قال دي مش مجرد قضية طلاق.. دي جناية ‘إحداث عاهة مستديمة عمدًا’، وعقوبتها السجن المشدد! بس بابا قاللي كلمة واحدة يا نورا.. الأشعة والتقرير بتوعي لوحدهم مش كفاية في المحكمة، لأن محامي أحمد ممكن يقول إن ده عيب خلقي فيكي أو حادثة قديمة وأنتي بتتبلي عليه.. لازم إثبات إدانة مباشر.. لازم تسجيل، أو اعتراف، أو الدفتر اللي أمك كاتبه فيه الخطه!”
    “الدفتر أم أحمد أخدته وخبيته في شقتها!” قولت الكلمة بحسرة وضيق.
    مروة ردت بسرعة: “يبقى مالكيش غير التسجيل يا نورا.. لازم توهميه إنك استسلمتي، وتجرجريه في الكلام لحد ما يعترف بلسانه بكل حاجة.. يعترف إنه كان بيعمل الحركة دي بقاله سبع سنين وعارف تأثيرها.. وبابا هيظبطلك محضر مع مباحث الإنترنت والاتصالات عشان التسجيل يبقى قانوني وما يترفضش في المحكمة.. تقدري تعملي كده؟”
    بلعت ريقي وأنا ببص على باب الشقة المقفول: “هعمله يا مروة.. ودموعي وصحتي اللي راحت مش هيروحوا هدر.. هخليه يعترف بالصوت والصورة.”
    عدى يومين وأنا عامة نفسي الست المكسورة المستسلمة.. مبروحش الشغل، قاعدة في البيت ببيجامة دبلانة، وحماتي بتدخل وتخرج تعملي أكل وتبصلي بنظرات شفقة وشماتة، وأنا بلعب دور الضحية بالملي.. لحد ما هما فكوا تماماً وافتكروا إنهم كسروا شوكتي وخلاص مش هقدر أتكلم.
    يوم الثلاثاء بالليل.. أحمد رجع من الشغل وجايب معاه عشا غالي.. قعد جنبي على السفرة وبدأ يأكلني بإيده: “شايفة يا نورا؟ أنا ماليش غيرك في الدنيا.. أنتي بس هدي نفسك كده والأسابيع الجاية هنبدأ رحلة العلاج عند أكبر دكاترة.”
    بصيتله وعيني مليانة دموع مزيفة، وكنت مجهزة الموبايل في جيب الروب ومشغلة برنامج التسجيل السري اللي مروة بعتتهولي: “أنا مش زعلانة من العلاج يا أحمد.. أنا بس قلبي واجعني.. سبع سنين يا أحمد؟ سبع سنين وأنا بنام في حضنك وأنت بتعمل فيا كده؟ طب هانت عليك صحتي؟”
    أحمد اتنهد وحط الشوكة من إيده، وافتكر إن الأزمة عدت فبدأ يتكلم براحته وثقة: “يا حبيبتي أفهمي بقا.. أنا مكنتش بكسر فيكي.. أنا كنت بضغط على نقط معينة أمي قايلالي عليها بالملي.. الداية بتاعة زمان كانت معلمة أمي إن الضغط ده بيفتح العضم ويخلي الرحم يقلب لورا، فالحيوانات المنوية تقع وميحصلش حمل.. أنا مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل لتشوية حوض! أنا كل اللي كان في دماغي إننا نمنع الخلفه من غير ما تاخدي حبوب أو وسايل وأنتي حوضك ضيق وممكن تموتي فيها!”
    “يعني أنت كنت عارف إن الحركة دي كل جمعة هي السبب في إني مخلفش طول السبع سنين دي؟” سألته بنبرة مبحوحة كأني بموت من الجوا.
    أحمد هز راسه بكل غباء وثقة نرجسية: “أيوة طبعاً عارف.. ما هو ده كان الهدف! أمي قالتلي البت دي لو حملت هتموت والولد هيموت.. وأنا مكنتش هقدر أطلقك عشان بحبك، وفي نفس الوقت مش هعيش طول عمري من غير عيل.. فكان الخطة إننا نأخر الحمل كام سنة لحد ما تزهقي من الدكاترة وتقتنعي إن العيب من عندك، وساعتها لما أقولك هتحوز عليكي عشان العيال، ترضي وتوافقي وتفضلي معايا في نفس البيت.. أنا كنت برتب لمستقبلنا يا نورا!”
    “مستقبلنا؟!” صرخت جوة نفسي من كتر القرف.. البني آدم ده مرتب كل حاجة بالملي.. يدمر صحتي، ويطلعني أنا اللي مابخلفش قدام الناس وأهلي، وعشان هو “الراجل الحنين الأصيل” يستحملني سبع سنين، وبعدين يتجوز عليا برضايا وأبقى أنا الخدامة اللي بتخدم مراته وعياله!
    “يعني الجلسة بتاعة كل جمعة.. الضغط والتكة دي.. كانت مقصودة عشان تبوظلي رحمي؟” عدت السؤال تاني عشان أضمن إن الإدانة واضحة ومفيش فيها شك للمحكمة.
    أحمد بدأ يزهق من الكلام: “أيوة يا نورا.. قولتلك ميت مرة أيوة.. خلاص بقا قفلي على السيرة دي، ما إحنا قرينا الدفتر وعرفنا كل حاجة.. المهم دلوقتي إنك تفوقي لنفسك وتنسي اللي فات.. الجلسات ووقفت، وأنا هعوضك.. كلي يلا.”
    حسيت بانتصار مرعب جوة قلبي.. التسجيل كده كامل ومثالي.. فيه الاعتراف بالمدة، وبالطريقة، وبالقصد الجنائي.. وفيه كمان اعتراف بدور أمه!
    تاني يوم.. الأربعاء الصبح..
    أحمد نزل الشغل.. وسبحان الله، نسى المفتاح في الباب من جوة وهو مستعجل، أو يمكن افتكر إني خلاص بقيت في جيبه ومش هتحرك.. أول ما نزل، لبست هدومي بسرعة، وأخدت فلاشة عليها نسخة من التسجيل والأشعة والتقارير الطبية.. وخرجت من الشقة زي السهم..
    روحت لبيت مروة.. باباها كان مستنينا.. شاف التسجيل وابتسم ابتسامة رعب: “برافو عليكي يا نورا.. التسجيل ده حبل المشنقة اللي هيلف حوالين رقبة أحمد وأمه.. إحنا مش هنرفع قضية طلاق.. إحنا هنرفع جناية عاهة مستديمة وشروع في تدمير جسدي متعمد.. بكرا الصبح المحضر هيتحرر في النيابة، وهتصدر أمر ضبط وإحضار لأحمد وأمه فوراً من بيتهم.”
    رجعت الشقة قبل ما أحمد يرجع عشان مايحسش بحاجة.. قعدت في الصالة مستنية الصبح يجي.. مستنية اللحظة اللي الكابوس ده ينتهي فيها..
    يوم الخميس الصبح.. الساعة دقت عشرة..
    كنت قاعدة مع أحمد وحماتي في الصالة بنشرب شاي.. فجأة، الباب خبط بعنف.. خبطات قوية ورا بعض ورا صوت رجالة برة..
    أحمد قام مستغرب: “مين بيخبط بالطريقة دي؟”
    فتح الباب.. ولقى قدامه ضابط شرطة ومعاه اتنين أمناء شرطة.. الضابط بص في ورقة في إيده وقال بصوت جهوري هز الشقة:
    “أنت أحمد عبد الرحمن؟”
    أحمد وشه اصفّر: “أيوة أنا.. فيه إيه يا فندم؟”
    الضابط زقه ودخل الشقة، وشاور على حماتي اللي قاعدة برعب: “والحاجة أمينة مصطفى؟”
    حماتي وقفت ورجلها بتترعش: “أيوة يا بيه.. خير؟”
    الضابط طلع الكلبشات من حزامه وقال بكل حسم: “مطلوب القبض عليكم فوراً.. بناءً على أمر النيابة العامة.. بتهمة الاشتراك في إحداث عاهة مستديمة عمدًا للمدام نورا سيد!”
    أحمد بصلي وعينيه كانت هتطلع من مكانها من الذهول والغل، وحماتي بدأت تصوت وتلطم على وشها.. وأنا وقفت بكل ثبات وقوة، وبصيتلهم ونظرة عيني بتقولهم: “السبع سنين انتهوا.. وجه وقت الحساب.”
    مشهد القبض عليهم كان زي فيلم أكشن، أحمد كان واقف مش مصدق اللي بيحصل، وشه اتلون بألوان كتير، من الأصفر للأحمر للأسود من كتر الغل. حماتي، اللي كانت من دقيقتين ملكة البيت، وقعت على الكنبة زي الجثة الهامدة، صوت صويت مالي الشقة، وهي بتصرخ: “يا نهار أسود! يا نورا يا بنت الـ… إنتي عملتي إيه؟ يا ابني اتكلم! قولهم إن دي كدابة ومجنونة!”
    أحمد كان بيحاول يقاوم، بيزق في الأمناء وهو بيزعق: “يا فندم فيه سوء تفاهم! دي مراتي! دي مشاكل عائلية! إنتوا بتدخلوا ليه في بيوت الناس؟ نورا، انطقي يا واطية! قولي للباشا الضابط إن الكلام ده مش حقيقي!”
    بصيت له بكل هدوء.. كان هدوء ما قبل العاصفة، هدوء المنتصر اللي استرد روحه. قلت بصوت ثابت، مش متهز ولا فيه نبرة خوف: “المشاكل العائلية بتبقى خناقات، مش تدمير أرحام وعضم يا أحمد. التسجيلات اللي في إيد النيابة دلوقتي هي اللي هترد عليك، مش أنا.”
    الضابط بصله بنظرة قرف، وزقه بقوة ناحية الباب: “خلصونا! الكلام ده يتقال قدام وكيل النيابة مش هنا. اتحركوا!”
    خدوهم مكلبشين، صوت جرجرة رجليهم على السلم كان أجمل موسيقى سمعتها في حياتي. قفلت الباب وراهم، قعدت في نص الصالة، دمعة واحدة نزلت.. دمعة فرح، دمعة راحة من سبع سنين كابوس. البيت كان صامت، صمت غريب، لأول مرة بحس إني لوحدي بس حرة.
    مرت أسابيع في المحاكم والنيابة. كانت أيام صعبة، وشوش الناس اللي كانت بتجاملني بقيت أشوف في عينيهم نظرة شفقة مخلوطة بفضول مقرف. أهلي؟ يوم ما عرفوا الحقيقة، أمي أغمى عليها وأبويا جاله ضغط. مصدقوش إن ده “أحمد”، “ابن الأصول” اللي كان بيشيلني في الشتا عشان رجلي متوجعنيش، طلع هو اللي “بيكسر” رجلي حرفياً!
    في قاعة المحكمة، كنت قاعدة ورا مروة وباباها. أحمد وأمه كانوا محبوسين في قفص الاتهام. أحمد كان حاله يغني عن سؤاله، شعره منكوش، ووشه دبلان، وعينه اللي كانت بتنور بحنية مزيفة دلوقتي مليانة كره وحقد. أما حماتي، فكانت طول الوقت بتتمتم بكلمات مش مفهومة وتدعي عليا.
    لما جه دوري أقف في المنصة، حكيت كل حاجة. من أول يوم، من أول “جلسة عضم”، من أول شوربة كوارع مسمومة بالمؤامرة، لحد اليوم اللي سجلت له فيه اعترافه. المحامي بتاع أحمد حاول يطعن في صحة التسجيل، بس بابا مروة—المحامي العبقري—كان جاهز بكل ثغرة قانونية، وبكل تقرير طبي يثبت إن التشويه ده مستحيل يكون طبيعي.
    القاضي بص لأحمد وسأله: “بصفتك إيه بتعمل كده؟ فين القسم اللي أقسمته إنك تكون سكن ورحمة؟”
    أحمد مكنش عارف ينطق. في اللحظة دي، بصيت له وقلت له جملة واحدة خلت القاعة كلها تصمت: “أنت كنت عايز بطني تشيل بالثلاثة والأربعة، بس نسيت إن اللي بيزرع شوك مبيحصدش ورد.”
    صدر الحكم.
    خمس سنين سجن مشدد لأحمد، وتلات سنين لأمه بتهمة التحريض والاشتراك. حكم مش كفاية عشان يرجعلي سبع سنين، ولا عشان يرجعلي “جسمي” اللي اتدمر، بس كان كفاية عشان يرد اعتباري.
    خرجت من المحكمة، الهواء كان طعمه مختلف. مروة حضنتني وقالتلي: “خلصنا يا نورا.. كابوس وعدى.”
    قلت لها بابتسامة باهتة: “خلصنا من الناس، بس فاضل أخلص من نفسي.”
    عدت سنة.
    العمليات الجراحية اللي عملتها عشان أرجع الحوض لوضعه الطبيعي كانت رحلة ألم تانية خالص. مسامير، وجبس، وعلاج طبيعي يومي. بس الدكتور كان شاطر، وقالي كلمة طمنتني: “يا مدام نورا، أنتي صغيرة، والأربطة بتبدأ ترجع لمرونتها.. ممكن يبقى فيه أمل، بس بلاش نفكر دلوقتي، سيبي جسمك يتعافى.”
    طلقت طلاق بائن. بعت كل حاجة في البيت القديم.. مش عايزة ذكرى واحدة تربطني بالراجل ده. نقلت في شقة تانية خالص، بعيدة عن المنطقة اللي كانوا ساكنين فيها. بدأت أرجع أشتغل، رجعت أحط الميك أب، رجعت أخرج مع صحابي، رجعت “نورا” اللي كانت موجودة قبل ما أحمد يدخل حياتي.
    وفي يوم، وأنا راجعة من جلسة العلاج الطبيعي، لقيت مكالمة من رقم غريب.
    “أيوة؟”
    “نورا.. أنا أحمد.”
    قلبي دق دقة واحدة قوية وقفت مكاني. صوته كان مكسور، طالع من السجن.
    “عايز إيه يا أحمد؟ مش كفاية اللي عملته؟”
    “أنا.. أنا كنت بكلمك بس عشان أقولك.. أنا آسف. كل يوم بفتكر اللي عملته، بفتكر حنيتي اللي قلبتها لسم.. نورا، أنا عارف إنك مش هتسامحيني، بس أنا بتعذب كل يوم.”
    ضحكت ضحكة ناشفة.. “أنت بتتعذب عشان محبوس، مش عشان ندمان. أنت لسه بتدور على مبرر لشرك، حتى وأنت في السجن. يا أحمد، أنا مش هسامحك، مش عشان أنا قاسية، بس عشان أنت اللي اخترت تكون شيطان في حياة ست كان ممكن تفرشلك الأرض ورد. اللي زيك مش بيستاهل غير النسيان.”
    قفلت السكة في وشه، وعملت “بلوك”.
    رجعت البيت، قعدت قدام المرايا، بصيت لجسمي—اللي لسه فيه علامات—وبصيت لوشي اللي رجعت فيه الحياة. الحوض اللي اتكسر عشان “الخلفة”، دلوقتي بقى شايل واحدة جديدة، واحدة أقوى، واحدة مابتتكسرش بكلمة حلوة ولا بمساج غدار.
    قعدت على الكنبة، طلعت كتاب كنت بقرأه، وفتحت الموبايل. شفت رسالة من دكتور العلاج الطبيعي بيقولي فيها: “تحسنك غير متوقع يا نورا، جسمك بيقاوم وبيرجع أقوى من الأول.”
    ابتسمت، وغمضت عيني. السبع سنين دول كانوا امتحان كبير، سقطت فيه كـ “ضحية”، بس نجحت بامتياز كـ “ناجية”. الأمل في عيل لسه موجود، بس الأمل الأكبر كان إني لقيت نفسي اللي فقدتها سنين طويلة.
    قمت، عملت كوباية شاي بالنعناع، فتحت الشباك لـ هوا الصبح، وخدت نفس عميق..
    أنا نورا، وأنا بقيت كويسة.
    مش محتاجة حد يطبطب على عضمي، ولا محتاجة حد يقولي “أنا اللي بدلعك”.
    أنا بدلع نفسي، أنا اللي بقيت سند لنفسي، وأنا اللي بقرر مستقبلي.
    انتهت الحكاية، بس حياتي.. حياتي لسه بتبدأ، والمرة دي، بأولوياتي أنا، مش بأوامر حد.
    ضا في عين جوزها وحماتها، ماتت واندفنت، وطلعت واحدة تانية خالص، واحدة بتعرف قيمتها، واحدة مابتقبلش بأقل من الاحترام، واحدة بقت بتعرف “تسمع” جسمها كويس، مش عشان هو بيوجعها، بس عشان هي بقت تحبه وتحترمه.
    كان يوم خميس، زي كل يوم خميس كنت بختم فيه أسبوعي بالروتين اللي بحبه. قمت الصبح بدري، جهزت فنجان القهوة، وقعدت قدام الشباك اللي بيطل على شجر الجنينة، وبدأت أكتب في المذكرات اللي بقالي سنة بكتب فيها. الكتابة مكنتش مجرد تفريغ للي جوايا، كانت “تشريح” للماضي. كل صفحة كنت بكتب فيها، كنت بخرج منها حتة من وجعي. كتبت عن الخوف، عن الصدمة، عن لحظة الاكتشاف، وعن لحظة المواجهة في المحكمة. لقيت نفسي بكتب جملة واحدة في آخر الصفحة: *”أنا مش نتاج اللي عملوه فيا، أنا نتاج اللي اخترت أكونه بعد ما خلصت منهم.”*
    في الوقت ده، جالي تليفون من مروة، صاحبتي اللي كانت السند الحقيقي في الرحلة دي. مروة دعتني على حفلة تخرج بنتها. روحت وأنا حاسة بسلام داخلي مكنتش بحلم بيه. وسط الزحمة والناس، لقيت واحدة من زميلاتنا القدام، اللي كانوا موجودين في المطعم يوم ما حكيت الحكاية لأول مرة. بصتلي نظرة غريبة، كانت ممزوجة بالخجل والندم. قربت مني وقالتلي بصوت واطي: “نورا.. أنا كنت عايزة أعتذرلك. يومها لما حكيتي، أنا كنت فاكراكي بتبالغي، أو إنك ‘حساسة زيادة’. معرفتش الحقيقة إلا لما قريت تفاصيل القضية في الجرائد. سامحيني إني وقتها كنت شايفة جوزك ‘لقطة’ ومكنتش شايفة وجعك.”
    ابتسمت لها، مش ابتسامة تسامح كامل، بس ابتسامة تصالح مع حقيقة البشر. قلتلها: “مفيش داعي للاعتذار. المجتمع علمهوم إن ‘الراجل الحنين’ هو اللي مبيضربش، ومحدش علمنا إن فيه عنف أخطر بكتير من الضرب.. عنف بيبتدي بلمسة حنين وينتهي بدمار روح.”
    رجعت البيت، ومن غير ما أحس، لقيت رجلي واخداني لنفس الأوضة اللي كنت مخبية فيها الدفتر والورق. فتحت الدرج، طلعت “التقرير الطبي” اللي كان سبب نجاتي. لمست الورقة بإيدي، الورقة دي مكنتش مجرد مستند قانوني، كانت “وثيقة ميلادي الجديد”. في اللحظة دي، حسيت إن السبع سنين اللي ضاعوا مكنوش ضايعين، كانوا “مدرسة”. مدرسة علمتني إن الثقة في حد غيري هي أكبر رهان خسران ممكن الواحد يدخله.
    قبل ما أنام، فتحت التليفزيون، وجت سيرة عن “العنف النفسي والجسدي غير التقليدي”. سمعت دكتورة بتتكلم عن إن فيه رجالة بيستخدموا “الاهتمام المفرط” كأداة للسيطرة. قلبي دق، بس مش خوف، كان فخر. فخر إني كنت “الحالة” اللي كسرت الصمت. فخر إني مش بس نجوت، أنا كمان بقيت رمز—ولو بسيط—لأي ست تانية بتمر بنفس الوجع ومكسوفة تتكلم.
    قررت في اللحظة دي إني مش هكتفي بالنسيان. بدأت أتواصل مع مؤسسات بتدعم الستات اللي بيتعرضوا لعنف أسري “غير مرئي”. بقيت أروح أحكي تجربتي، مش كضحية، بس كواحدة قدرت تقلب الطاولة. كنت بشوف في عينين الستات اللي بيسمعوني بريق أمل، وشجاعة مكنوش يعرفوا إنها جواهم.
    عدت الشهور، ولقيت نفسي قدام تحدي جديد.. علاقة جديدة. أحمد كان ساب في قلبي “ندبة” مكنتش سهلة تروح. كان فيه “خالد”، زميل ليا في الشغل، كان بيحاول يقرب مني بكل ذوق واحترام. في الأول كنت بهرب، بخاف من اللمسة، بخاف من كلمة “حبيبتي”، بخاف من “المساج” اللي ممكن يتحول لفخ. بس خالد كان صبور. في يوم من الأيام، قاللي كلمة عمري ما هنساها: “يا نورا، أنا مش عايز أملكك، أنا عايز أشاركك. أنا مش عايز أصلحك، أنا بحبك زي ما أنتي، بكل ندوبك.”
    الكلمة دي كانت مفتاح الجنة. يومها، عرفت إن فيه رجالة محترمين في الدنيا، وإن اللي حصل مكنش ذنبي، ولا كان ضعف مني، كان “اختيار غلط” في طريق كان مليان فخاخ. بدأت أدخل خالد حياتي بالتدريج، وبكل حذر، وبقوانين “أنا” اللي وضعتها—مش قوانين حد تاني.
    في نهاية الرحلة دي، اكتشفت إن القوة مش في إننا ننسى الوجع، القوة في إننا نخليه “وقود”. أنا النهاردة مش ست بتدور على “ابن الحلال” اللي يطبطب عليها، أنا ست لقت “نفسها” اللي هي أغلى حلال. بقيت بحب نفسي، وبحب جسمي، وبحب قوتي.
    أحمد وأمه بيقضوا أيامهم في السجن، بيحاسبوا على جنايتهم. أما أنا، فبقيت بحاسب على “عمري” اللي لسه باقي. كل يوم بفتح فيه عيني، بحمد ربنا إن الخديعة دي اتكشفت قبل ما أتحول لمجرد جثة هامدة في بيت كان مفروض يكون “جنتي”.
    قفلت المذكرات، طفيت النور، وغمضت عيني وأنا حاسة براحة مالياني من جوة. لا خايفة من بكرة، ولا حزينة على اللي فات. أنا نورا، الناجية، القوية، اللي قررت إنها.. “تعيش”. مش عشان حد، بس عشان هي تستاهل.
    وعرفت إن “جلسة العضم” اللي بدأت بكسر، انتهت بصلابة.. صلابة ماحدش يقدر يكسرها تاني أبداً. كل “تكة” وجع زمان، اتحولت لـ “نبضة” حياة النهاردة. الخاتمة ماكانتش “انت


    :. كاتب الموضوع HS Admin ، المصدر: كشف السر المرعب للمساج .:

    ;at hgsv hglvuf gglsh[

    تم تحرير الموضوع بواسطة : HS Admin بتاريخ: 04-06-2026 19:39

    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد




    الكلمات الدلالية
    المرعب ، للمساج ،