• مركز التحميل

  • أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتديات هرقلة ستار | Hergla Star Forums، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





    الملاحظات

    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد


    • رواية
    • -->
    28-06-2026 11:40
    معلومات الكاتب ▼
    إنضم في:
    24-03-2022
    رقم العضوية :
    1
    المشاركات :
    1704
    الدولة :
    تونس
    قوة السمعة :
    100

     صفعت أمي ابني بسبب لعبة صغيرة، بينما جلس الجميع حول المائدة وكأنهم لم يروا الدم الذي خرج من أذنه. لم أصرخ، ولم أدافع عن نفسي، ولم أدخل في أي شجار. حملت ابني وتوجهت به إلى المستشفى بصمت... لكن عندما عدت بعد ساعات وفي يدي التقرير الطبي ومحضر رسمي، تغيّر كل شيء داخل ذلك البيت.
    كان عمر مصطفى ست سنوات فقط.
    خلال عزومة عائلية في بيت أمي ببغداد، خطف ابن أختي كرار سيارة اللعب الحمراء الخاصة به. وعندما حاول مصطفى استرجاعها، صرخت أمي فجأة:
    — لا تمد إيدك على الولد!
    ثم وجهت له صفعة قوية جعلت رأسه ينحرف إلى الجانب.
    ساد الصمت في الغرفة.
    لثوانٍ فقط.
    ثم عاد كل شيء طبيعيًا وكأن شيئًا لم يحدث.
    احتضنت أختي هناء ابنها كرار وكأنه هو الضحية، وقالت:
    — حبيبي... خوّفك هذا الولد؟
    هذا الولد.
    هكذا كانوا ينادون ابني دائمًا.
    ليس مصطفى.
    وليس حفيدي.
    بل "هذا الولد".
    وقف مصطفى قرب الطاولة وعيناه مليئتان بالدموع، بينما كان يحتضن سيارته الحمراء بقوة.
    كانت لعبة رخيصة اشتراها والده من سوق شعبي قبل وفاته.
    لكن بالنسبة له كانت أغلى من الذهب.
    وأمي كانت تعرف ذلك.
    الجميع كانوا يعرفون ذلك.
    ومع ذلك، لأن كرار أرادها، كان يفترض أن يحصل عليها.
    ففي ذلك البيت، كل ما يريده كرار يصبح ملكه.
    قلت بصوت مرتجف:
    — يمّه...
    لكنها لم تنظر إلي أصلًا.
    وقالت ببرود:
    — ربّي ابنك زين يا زينب. كرار أصغر منه.
    وكان هذا كذبًا.
    كرار عمره ثماني سنوات.
    أما مصطفى فعمره ست سنوات.
    لكن كرار ابن هناء.
    وهناء كانت دائمًا الابنة المفضلة.
    الابنة المثالية.
    التي لم تتزوج ميكانيكيًا بسيطًا.
    التي لم تصبح أرملة وهي صغيرة.
    التي لم تعد إلى بيت أمها ومعها طفل وحقيبة ووجع لا ينتهي.
    رفع مصطفى يده نحو أذنه.
    وعندما أبعدها ظهرت قطرة دم صغيرة على أطراف أصابعه.
    في تلك اللحظة توقفت عن سماع أي شيء.
    لم أسمع زوج أختي وهو يقول إن الموضوع بسيط.
    ولم أسمع هناء وهي تتمتم بأن مصطفى دائمًا يفتعل المشاكل.
    ولم أسمع أمي وهي تطلب مني الجلوس لأن الطعام سيبرد.
    كل ما رأيته كان طفلي الصغير وهو يرتجف.
    حملته بين ذراعي.
    فسألتني أمي:
    — وين رايحة؟
    قلت:
    — للمستشفى.
    فضحكت بسخرية.
    — مستشفى بسبب كف؟
    لم أجبها.
    لأنني لو تكلمت حينها لكنت صرخت.
    ولو صرخت... ربما كنت سأبقى ضعيفة كما كنت دائمًا.
    خرجت وأنا أحمل مصطفى.
    وفي سيارة الأجرة، لم يبكِ بصوت مرتفع.
    وهذا ما حطم قلبي أكثر.
    اقترب مني وهمس:
    — ماما... سويت شي غلط؟
    قبلت جبينه وقلت:
    — لا يا حبيبي... الغلط مو على الطفل اللي يتأذى.
    وفي المستشفى سألت الطبيبة:
    — منو اللي ضربه؟
    ابتلعت ريقي بصعوبة وقلت:
    — جدته.
    توقفت الطبيبة عن الكتابة.
    ثم سألت:
    — أول مرة؟
    كنت على وشك أن أكذب.
    على وشك أن أحمي أمي مرة أخرى.
    لكن مصطفى سبقني بالكلام.
    وقال:
    — لا.
    شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحت قدمي.
    جلست الطبيبة أمامه وسألته بلطف:
    — شتقصد يا بطل؟
    نظر مصطفى إليّ بعينين صغيرتين وكأنه يستأذنني.
    وهنا فقط أدركت أن صمتي طوال السنوات الماضية لم يكن سلامًا.
    كان قفصًا.
    همست له:
    — احجيلها الحقيقة.
    خفض رأسه وقال:
    — جدتي تحبسني بغرفة الغسيل كلما يجي كرار للبيت. وتكول إذا أطلع أخرب عليه يومه.
    وضعت يدي على فمي.
    لكن مصطفى أكمل:
    — وخالتي هناء أخذت حذائي الجديد حتى تعطيه لكرار. وجدتي كالت ما يحق إلي أحجي لأن إحنا ساكنين هنا ببلاش.
    كل كلمة كانت تمزقني من الداخل.
    كنت أعمل لساعات طويلة في صالون نسائي حتى أساهم في الطعام والكهرباء والدواء ومصاريف البيت.
    ومع ذلك كانوا ينظرون إلي وكأنني عبء.
    الأرملة التي لا مكان لها.
    والابنة التي يجب أن تشكرهم على أي زاوية يمنحونها لها.
    استدعت الطبيبة الأخصائية الاجتماعية.
    ثم طبيبًا آخر.
    وأُجريت لمصطفى الفحوصات والصور اللازمة.
    وكانت النتيجة أسوأ مما توقعت.
    التهاب في الأذن.
    آثار واضحة على الخد.
    وكدمات قديمة على ظهره كنت أظنها نتيجة اللعب.
    قالت الأخصائية الاجتماعية:
    — أستاذة زينب، الموضوع ما عاد مجرد مشكلة عائلية.
    أومأت برأسي.
    لم أبكِ.
    ليس بعد.
    البكاء له وقت آخر.
    أما الآن، فكان علي أن أتوقف عن الجبن.
    في التاسعة مساءً خرجت من المستشفى ومصطفى نائم بين ذراعي.
    وفي حقيبتي تقرير طبي.
    ومحضر رسمي.
    لكنني قبل أن أعود إلى الصالة، ذهبت أولًا إلى الغرفة الصغيرة التي كنت أعيش فيها منذ وفاة زوجي.
    فتحت صندوقًا قديمًا يخص زوجي الراحل علي.
    كان بداخله ملف أزرق لم أجرؤ يومًا على تفحصه بالكامل.
    كنت أعتقد أنه يحتوي فقط على أوراق التأمين.
    لكن تلك الليلة اكتشفت شيئًا آخر.
    عقدًا رسميًا.
    ووثائق موثقة.
    وذَاكرة إلكترونية صغيرة مثبتة داخل الملف.
    وفوقها ورقة كتب عليها زوجي بخط يده:
    "زينب... إذا جاء يوم وجعلك أحد تشعرين أنك لا تملكين شيئًا، استخدمي هذا الملف قبل أن ترحلي."
    لم أستطع التنفس.
    كان علي قد جهّز كل شيء.
    قبل وفاته.
    وقبل أن أقتنع بأن حياتي يجب أن تُقضى تحت رحمة الآخرين.
    وضعت الملف داخل حقيبة مصطفى.
    ثم عدت إلى الصالة.
    كانت الأنوار ما تزال مضاءة.
    وكان الجميع يجلسون ويأكلون الحلوى وكأن شيئًا لم يحدث.
    وكأن ابني لم يغادر البيت وهو ينزف.
    وكان كرار يمسك السيارة الحمراء نفسها.
    آخر هدية تركها له والده.
    عندما دخلت، عمّ الصمت المكان.
    قطبت أمي حاجبيها وقالت:
    — خلصتي المسرحية؟
    لم أجب.
    وضعت مصطفى على الأريكة البعيدة.
    ثم أخرجت التقرير الطبي.
    ووضعته على الطاولة.
    ثم أخرجت المحضر الرسمي.
    ثم الملف الأزرق.
    شحب وجه هناء عندما رأت ختم الجهات الرسمية.
    وسقطت الشوكة من يد زوجها.
    أما أمي فنهضت ببطء.
    وقالت بصوت لم أسمع فيه الثقة المعتادة:
    — شسويتي يا زينب؟
    نظرت إليها للمرة الأولى دون خوف.
    وقلت:
    — سويت الشي اللي كان لازم أسويه من أول مرة مدّوا إيدهم على ابني.
    سقطت السيارة الحمراء من يد كرار.
    وحاولت هناء أن تمسك هاتفها.
    لكن قبل أن تفعل ذلك، دوّى طرق قوي على باب المنزل.
    ثلاث طرقات متتالية.
    ثقيلة.
    وحاسمة.
    التفت الجميع نحو الباب.
    إلا أنا.
    كنت أعرف تمامًا من جاء.
    ومن خلف الباب سُمِع صوت رجل يقول:
    — هل السيدة أمينة الجبوري موجودة هنا؟
    لم أكن بحاجة إلى أن أفتح الباب بنفسي.
    وقفت أمي ويدها مستندة إلى ظهر الكرسي، شاحبة مثل الجدار الذي ما زالت صورتي مع علي يوم زفافنا معلقة عليه. شدت هناء ابنها كرار إلى جانب تنورتها، لكنها هذه المرة لم تكن تبدو كأم تحمي ابنها. كانت تبدو كشخص يحاول إخفاء دليل.
    سألت وأنا أنظر إلى الموثق القانوني
    شنو الشي اللي يخص مصطفى قانونيًا؟
    فتح الموثق الظرف بهدوء جعل قلبي يشتعل من التوتر.
    قال
    البيت، أستاذة زينب.
    لم يتنفس أحد.
    نظرت إلى أرضية البيت القديمة، إلى الخزانة الزجاجية المليئة بالتحف والصور، إلى الطاولة التي جلست عليها سنوات طويلة وأنا أحصل دائمًا على أصغر نصيب. نظرت إلى الجدران الرطبة التي كانت أمي تجبرني على تنظيفها كل يوم جمعة، وهي تقول لي إن عليّ أن أستحق اللقمة والمكان الذي أنام فيه.
    قلت بصوت مبحوح
    ما فهمت.
    شرح الموثق
    زوجك الراحل علي سدّد ما تبقّى من أقساط هذا البيت قبل وفاته بستة أشهر. والسيدة أمينة الجبوري وقّعت تنازلًا مشروطًا أمام جهة رسمية. تم تسجيل حق الملكية باسم ابنك مصطفى، مع احتفاظ السيدة أمينة بحق السكن فقط، بشرط ألّا تعرّض مصلحة الطفل للخطر، وألّا تمنعكِ أنتِ من الإقامة فيه بصفتك الوصية القانونية عليه.
    أغمضت أمي عينيها.
    وهناك كان الاعتراف.
    ليس بالكلام.
    بل بالخوف.
    أطلقت هناء ضحكةمتوترة وقالت
    مستحيل. أمي ما ممكن توقّع على شي مثل هذا.
    أخرج الموثق نسخًا مصدقة من الأوراق، ووضعها واحدة تلو الأخرى على الطاولة، كأنها سكاكين نظيفة.
    قال
    هذا التوقيع. وهذه البصمة. وهذه الهوية. وهذا كشف التثمين. وهنا، أستاذة زينب، إثبات بثلاثة تبليغات وصلت إلى هذا العنوان، وكلها مستلمة من السيدة أمينة.
    نظرت الأخصائية الاجتماعية إلى أمي وقالت
    يعني كنتِ تعرفين أن الطفل الذي كنتِ تحبسينه في غرفة الغسيل هو صاحب هذا البيت.
    فتحت أمي فمها، لكن لم يخرج منه أي صوت.
    ولأول مرة في حياتي، رأيتها بلا قناع.
    لم تكن قوية.
    ولم تكن صاحبة سلطة.
    كانت امرأة حاصرتها قسوتها.
    ارتجفت ساقاي. ليس بسبب البيت. ولا بسبب الأوراق. بل لأن أمي جعلتني أنام مع ابني ست سنوات في غرفة باردة، وهي تردد أنني يجب أن أكون شاكرة لها.
    وطوال ذلك الوقت، كانت هي تعيش تحت سقف مصطفى.
    نظر كرار إلى سيارة اللعب الحمراء على الأرض. لم يعد يريدها. لم يعد أحد يريد لمس أي شيء يخص ابني.
    وفجأة انتفضت أمي وقالت
    علي أعطاني البيت! هو قال أقدر أبقى هنا!
    قال الموثق
    نعم، ما دمتِ تحترمين زينب والطفل. وهذا مسجل أيضًا.
    شعرت كأن الهواء يخدش حلقي.
    قلت
    مسجل؟
    أشار الموثق إلى الذاكرة الإلكترونية الصغيرة التي أخرجتها من الملف الأزرق.
    قال
    زوجك ترك إفادة احتياطية. وطلب مني أن أسلّمها لكِ فقط إذا جئتِ والطفل مصاب، أو إذا حاولوا إخراجك من البيت. أعترف أنني كان يجب أن أكون أكثر إصرارًا، لكن التبليغات كانت تُحجب عنك.
    نظرت أمي إلي.
    وتلك النظرة لم تكن تقول آسفة.
    كانت تقول كراهية.
    قالت وهي تكاد تبصق الكلمات
    تظنينه كان ملاكًا؟ علي أهانني. جاءني بفلوسه من ورشة التصليح، ورائحة الدهن والزيوت في ملابسه، حتى يعلّمني كيف أحمي بنتي.
    قلت لها
    أنتِ لم تحميني. أنتِ كسرتِني.
    تقدم الشرطي خطوة إلى الأمام وقال
    السيدة أمينة الجبوري، نحتاج أن ترافقينا لأخذ إفادتك بخصوص إصابة طفل واحتمال وجود عنف أسري بحق قاصر.
    نهضت هناء بسرعة وقالت
    ما تقدرون تأخذونها! هاي جدته! الموضوع مجرد كف!
    فتحت الأخصائية الاجتماعية الملف وقالت
    التقرير الطبي يذكر إصابة في الأذن، وآثارًا واضحة على الوجه، وكدمات سابقة. بالإضافة إلى أن الطفل قال إنه كان يُحبس، وتُؤخذ أغراضه، ويتعرض لمعاملة مهينة. هذا ليس مجرد كف.
    بدأت أمي تبكي.
    لكنها لم تبكِ كبكاء من ندم.
    كانت تبكي كبكاء شخص انكشف أمره.
    وضعت يدها على صدرها وقالت
    زينب، يمّه، لا تسمحين لهم. أنا أمك.
    هذه الجملة أوقفتني طوال حياتي.
    أنا أمك.
    كأن ولادتها لي أعطتها الحق في تدميري.
    نظرت إلى مصطفى النائم، إلى وجهه الصغير المنتفخ، وإلى الشاش الصغير على أذنه. كان عمره ست سنوات فقط، وقد تعلّم أن يطلب الإذن حتى يقول الحقيقة.
    حينها فهمت أن الأم لا تصبح مقدسة لمجرد أنها أنجبت.
    تصبح كذلك عندما تحمي.
    قلت
    لا. أمي ماتت في مكان ما قبل أن تلمسي ابني.
    طلب منها الشرطي أن تأخذ حقيبتها. نظرت أمي حولها، تبحث عن شخص يقف معها.
    تظاهر زوج هناء بأنه يتفقد هاتفه.
    وهناء لم تتحرك.
    أما كرار، فبدأ يبكي بهدوء، مرتبكًا لأن العالم لأول مرة لم يركض لمواساته.
    وعندما مرّت أمي بجانبي، اقتربت وهمست
    راح تندمين. هذا البيت كبير عليك.
    نظرت إليها دون أن أخفض عيني وقلت
    ليس أكبر من صمتي.
    أخذوها.
    وعندما أُغلق الباب، كان صوته كأنه سلسلة انكسرت.
    كانت هناء أول من استعاد صوتها.
    قالت
    زينب، اسمعيني. إحنا متوترين. أمي بالغت، صحيح، بس أنتِ هم بالغتِ. مو معقولة تطردين كل العائلة من البيت بسبب سوء تفاهم.
    قلت
    لم يكن سوء تفاهم.
    قالت
    كرار طفل.
    قلت
    ومصطفى أيضًا طفل.
    قطبت وجهها وكأن المقارنة أهانتها.
    قالت
    لا تخلطين الأمور. كرار مو مسؤول عن حظك السيئ.
    وهنا ظهرت الحقيقة القديمة نفسها.
    ترمّلي كان حظًا سيئًا. فقري كان عيبًا. ابني كان عبئًا. وهم، الذين كانوا يأكلون الحلوى في صالة بيت مصطفى، كانوا يشعرون أنهم يملكون حتى وجعنا.
    جمع الموثق أوراقه، لكنه ترك لي نسخة.
    قال
    أستاذة زينب، قانونيًا تستطيعين طلب استرداد العقار فورًا باسم القاصر. وتستطيعين أيضًا السماح لبعض الأشخاص بالبقاء وفق شروط. القرار الآن يعود  دقائق
    لك.
    تغير وجه هناء.
    قالت بصوت ناعم
    أختي… لا تتسرعين. فكري بالأطفال.
    كدت أضحك.
    كانوا دائمًا يطلبون مني أن أفكر بالأطفال عندما لا يكون الطفل المهدد هو طفلي.
    اقترب كرار من سيارة اللعب. حملها بحذر ومشى نحو مصطفى، ثم وضعها بجانب يده النائمة.
    تمتم
    ما كنت أعرف أنها من أبوه.
    شدته هناء من ذراعه وقالت
    لا تعتذر. أنت ما سويت شي.
    خفض الولد رأسه وقال
    سويت.
    ساد الصمت في الصالة مرة أخرى.
    نظر كرار إلى أمه، ثم إلي.
    قال
    أنا كنت أقول لجدتي إن مصطفى طلع من الغرفة لما ما تكونون موجودين. وهي كانت تصرخ عليه. كنت أظنها لعبة لأن الكل كان يضحك.
    وضعت هناء يدها على فمه.
    قالت
    اسكت.
    استدارت الأخصائية الاجتماعية فورًا وقالت
    لا تمنعيه من الكلام.
    بدأ كرار يبكي فعلًا.
    ليس بكاء دلال.
    بل بكاء طفل اكتشف للتو أنه استُخدم ليكون قاسيًا.
    قال وهو ينتحب
    جدتي كانت تقول هذا البيت راح يصير إلي. وكانت تقول إن مصطفى ما عنده أب، وما ينحسب.
    شعرت بشيء ثقيل يسقط داخلي.
    أمي لم تؤذِ ابني فقط.
    بل سمّمت حفيدها المفضل أيضًا.
    اختفى اللون من وجه هناء.
    قالت
    أمي كانت تقول أشياء وهي معصبة، لا أكثر.
    قلت
    لا. أمي بنت مملكة صغيرة فيها طفل مدلل وطفل مكسور. وأنتِ كنتِ تصفقين لها لأن هذا كان يناسبك.
    نهض زوج هناء أخيرًا وقال
    زينب، لا نكبر الموضوع. نقدر نتفاهم.
    قلت
    أنا لم أعد أتفاهم مع ناس شافوا الدم وكملوا أكل الحلوى.
    شد فكه وقال
    إذن شتريدين؟
    نظرت إلى الطاولة، إلى الصحون المتسخة، إلى بقايا الحلوى، إلى ملعقة المرق اليابسة قرب المحضر الرسمي. تذكرت كل مرة طلبت فيها الإذن حتى أغلي الحليب لمصطفى. تذكرت حذاءه المفقود. رسوماته الممزقة. وتلك الأمسيات التي كنت أعود فيها مرهقة من الصالون فأجده هادئًا أكثر من اللازم.
    قلت
    أريدكم تخرجون الليلة.
    صرخت هناء
    أنتِ مجنونة!
    قلت
    تأخذون ملابسكم ووثائقكم فقط. غدًا، وبوجود جرد رسمي، ننظر في بقية الأشياء.
    قالت
    هذا بيتي أيضًا.
    تدخل الموثق وقال
    لا، سيدتي. ليس بيتك.
    كانت هذه الكلمات الأربع أعدل من كل سنوات توسلي.
    بدأت هناء تجمع أغراضها بغضب. حشرت الملابس في أكياس سوداء، وقلبت الأدراج، وهي تتمتم أنني ناكرة للجميل.
    وقف كرار أمام مصطفى.
    سألني
    هو راح يموت؟
    صوته أضعف شيئًا داخلي.
    قلت
    لا. هو نائم. لكن تألم كثيرًا.
    ابتلع كرار ريقه بصعوبة وقال
    أنا ما كنت أريده ينزف.
    قلت له
    إذن تذكر هذا. عندما يضحك أحد على طفل يتألم، فهو يؤذيه أيضًا.
    أومأ برأسه.
    نادت هناء عليه بصراخ، فركض نحوها. لكنه قبل أن يغادر، نظر مرة أخيرة إلى السيارة الحمراء.
    ولم يلمسها.
    عند منتصف الليل، أصبح البيت خاليًا من الأصوات.
    لم يبقَ سوى الأخصائية الاجتماعية، والشرطي عند الباب، والموثق، وأنا جالسة بجانب مصطفى.
    أعطتني الأخصائية رقم متابعة، وشرحت لي أن هناك مقابلات وزيارات وإجراءات حماية ودعمًا نفسيًا. سمعت كل شيء كأنني تحت الماء. أومأت، ووقّعت، واحتضنت ابني.
    وعندما غادروا، أغلقت الباب بالمفتاح.
    لأول مرة منذ وفاة علي، لم أطلب الإذن لأفعل ذلك.
    جلست على الأرض، ووضعت الذاكرة الإلكترونية في التلفاز القديم الموجود في الصالة.
    ارتجفت الشاشة قليلًا.
    ثم ظهر علي.
    كان يرتدي قميص الورشة الأزرق، وشعره مبعثر، وعلى وجهه تلك الابتسامة المتعبة التي اشتقت إليها حتى العظم.
    تحرك مصطفى قليلًا على الأريكة، لكنه لم يستيقظ.
    وضعت يدي على فمي.
    قال علي من الشاشة
    زينب، إذا كنتِ تشاهدين هذا، فهذا يعني أن شيئًا ما حدث. سامحيني لأنني لم أخبركِ قبل ذلك. كنت أريد أن أحميكِ دون أن أجعلكِ تدخلين في مواجهة مع أمك وأنا مريض.
    انكسر صوتي من الداخل.
    تابع علي
    عندما مات والدك، كانت أمينة غارقة بالديون. دفعت ثمن البيت لأنني ظننت أنكِ أنتِ ومصطفى ستكونان بأمان فيه. لكنني كنت أعرف أيضًا كيف كانت تتكلم معكِ. لذلك تركت كل شيء باسم ابننا. ليس غضبًا. بل حبًا.
    بكيت بصمت.
    أخذ علي نفسًا عميقًا في الفيديو، ثم قال
    لا تسمحي لأحد أن يقنعكِ أن قيمتك أقل لأنكِ أحببتِني. ولا تسمحي لابني أن يصدق أنه يجب أن يصغّر نفسه حتى يرتاح الآخرون. هذا البيت ليس جائزة. إنه ملجأ. استخدميه هكذا.
    تجمدت الصورة للحظة.
    ثم عادت.
    قال
    وإذا سأل مصطفى يومًا لماذا تركت له بيتًا ولم أترك له أبًا، فقولي له إنني بقيت في الشيء الوحيد الذي استطعت أن أبقى فيه سقف لا يستطيع أحد أن يأخذه منه.
    حينها بكيت.
    بكيت بكل جسدي.
    بكيت على علي، وعلى مصطفى، وعلى البنت التي كنتها، وعلى الابنة التي أرادت أن تُحب، وعلى المرأة التي قبلت بالفتات وهي تظنه بيتًا.
    فتح مصطفى عينيه.
    قال بصوت ناعس
    بابا؟
    مسحت وجهي بسرعة.
    قلت
    نعم يا حبيبي.
    جلس ببطء، ما يزال يتألم. رأى الشاشة ومدّ يده كأنه يستطيع لمس أبيه.
    ابتسم علي في الفيديو وقال
    يا بطل، إذا شاهدت هذا وأنت صغير، اعتنِ بأمك. لكن ليس كأنك رجل كبير. اعتنِ بها بالقبلات، وبالرسومات، وبأسئلتك التي تجعلها تضحك. هي أقوى مما تظن.
    بدأ مصطفى يبكي.
    احتضنته.
    وبقينا نحن الاثنان نشاهد الرجل الذي أحبنا حتى من بعد رحيله.
    في اليوم التالي، انتشر الخبر بين العائلة مثل النار في سوق مزدحم.
    خالات وعمات لم يتصلن بي يومًا بدأن يرسلن لي رسائل.
    بعضهن قلن إن عليّ أن أسامح.
    وأخريات سألن إن كان صحيحًا أن البيت باسم مصطفى.
    لم تسأل واحدة منهن عن أذنه.
    حظرت أغلبهن.
    في العاشرة صباحًا، جاءت هناء ومعها خالي عبد الرزاق واثنان من أولاد خالتي. كانوا جادين جدًا، كأنهم لجنة تحقيق عائلية.
    فتحت الباب والتقرير الطبي في يد، وهاتفي يسجل في اليد الأخرى.
    قلت
    أي كلام عندكم قولوه بوضوح.
    عدل خالي عقاله وقال
    زينب، العائلة ما تنهدم بسبب أوراق.
    قلت
    لا. تنهدم بسبب الضرب.
    قال
    أمك موقوفة بسببك.
    قلت
    أمي تدلي بإفادتها بسبب أفعالها.
    كانت عينا هناء منتفختين، لكن فمها بقي قاسيًا.
    قالت
    أمي قضت الليل في مركز الشرطة. هذا اللي كنتِ تريدينه؟
    قلت
    كنت أريد مصطفى يقضي ليلة واحدة بلا خوف. وقد فعل.
    نظر خالي إلى داخل البيت.
    قال
    خلينا ندخل. لازم نحكي كعائلة.
    قلت
    عائلتي نائمة.
    قال
    تقصدين الولد؟
    نظرت إليه بثبات وقلت
    أقصد صاحب البيت.
    لم يجب أحد.
    كان عجيبًا كيف استطاعت ورقة ملكية أن تمنح ابني الإنسانية التي لم يعترفوا بها له يومًا.
    شدت هناء حقيبة إلى صدرها وقالت
    أنا جاية فقط آخذ أوراق أمي.
    قلت
    تدخلين وحدك. بلا صراخ. ولا تلمسين أي شيء يخص مصطفى.
    دخلت وهي تنظر إلى الجدران كأنها أصبحت غريبة عنها.
    وفي الممر، توقفت أمام غرفة الغسيل. كان الباب مفتوحًا قليلًا. في الداخل كانت رائحة الكلور والرطوبة والصابون الرخيص. وفي الزاوية، كنت قد وجدت بطانية مصطفى الصغيرة في الليلة السابقة، مطوية فوق دلو.
    رأتها هناء.
    ولأول مرة، انكسر وجهها.
    قالت
    ما كنت أعرف أنها تتركه هنا كل هذا الوقت.
    قلت
    لم تكوني تريدين أن تعرفي.
    قالت
    زينب…
    قلت
    لا.
    أدرت وجهي قبل أن يضعفني صوت الأخت الذي حاولت استخدامه.
    أخذت هناء بعض الوثائق من درج، وعندما أغلقته وجدت ورقة ملصقة من الداخل. كانت رسمة لمصطفى. بيت أحمر صغير، وشمس، وثلاثة أشخاص هو، وأنا، ورجل له جناحان.
    وتحت الرسمة كتب
    لما أكبر، راح أشتري بابًا يفتح فعلًا.
    جلست هناء على سرير أمي.
    لم تبكِ بصوت عالٍ.
    فقط بقيت تحدق في الرسمة كأنها تلقت ضربة.
    همست
    كرار ما رضي يفطر. يقول إنه سيئ.
    قلت
    قولي له إنه ليس سيئًا. قولي له إنه فعل أشياء سيئة لأن الكبار سمحوا له. ما زال بإمكانك أن تنقذيه من أن يصبح مثلك.
    امتلأت عيناها بالدموع.
    قالت
    وأنا؟
    لم أجب فورًا.
    لأن جزءًا مني كان ما يزال يتذكر هناء الصغيرة، وهي تشاركني قطعة حلوى مخبأة على سطح البيت.
    لكن تلك الطفلة كبرت.
    واختارت أن تنظر إلى الجهة الأخرى.
    قلت
    أنتِ يجب أن تنقذي نفسك.
    في ذلك العصر، أخذت مصطفى إلى المراجعة الطبية، ثم اشتريت له شوربة دجاج من السوق. اختار علبة جلي ملون، وأكلها ببطء، وهو يحاول ألا يضغط على الجهة المصابة من وجهه. وفي طريق العودة، مررنا من السوق الشعبي.
    عند بائع ألعاب مستعملة، رأى سيارة أخرى، صفراء، بعجل معوّج.
    سألته
    نشتريها؟
    هز مصطفى رأسه وقال
    لا. الحمراء بخير. كانت فقط مع الشخص الغلط.
    وقفت وسط الممر بين بسطات الملابس، ورائحة الأكل، وصوت الباعة.
    ابني ذو الست سنوات فهم للتو ما احتجت أنا إلى اثنين وثلاثين عامًا حتى أفهمه.
    أن الشيء الثمين لا يتوقف عن كونه ثمينًا فقط لأن أحدًا عامله بطريقة سيئة.
    مرت ثلاثة أشهر.
    بقيت الإجراءات بطيئة، مثل أغلب الأشياء التي تمر على المكاتب والأختام. لكن حياتنا لم تعد معلقة.
    أتم مصطفى عامه السابع في حوش البيت.
    علّقت زينة ورقية، وجهزت كركديه، واشتريت كعكة بالحليب والقشطة لأنها كانت المفضلة لديه. دعا صديقين من المدرسة، والدكتورة لمى التي عالجته تلك الليلة، والأخصائية الاجتماعية.
    ودعا كرار أيضًا.
    لم أقل شيئًا عندما سلمني القائمة.
    سألته
    متأكد؟
    قال
    نعم. لكن إذا أخذ أي شيء، يطلع.
    ابتسمت.
    قلت
    اتفقنا.
    وصل كرار ومعه هدية ملفوفة بورق جرائد. كانت سيارة خشبية مصنوعة يدويًا، مطلية باللون الأحمر، وعليها خط أصفر.
    قال
    صنعتها مع جدي. مو حتى تعوض الثانية. حتى يكون عندها صديق.
    أخذها مصطفى بحذر.
    قال
    شكرًا.
    لم يتعانقا.
    لم يكونا بحاجة إلى ذلك.
    أحيانًا يبدأ الإصلاح بطفلين يلعبان دون أن يعلّمهما أي شخص بالغ الكراهية.
    في منتصف العصر، بينما كان الجميع يغنون له أغنية عيد الميلاد، رأيت أمي خلف الباب الخارجي.
    بدت أكبر سنًا.
    وأصغر حجمًا.
    كانت ترتدي سترة بنية وتحمل كيسًا صغيرًا. لم تطرق الباب. فقط وقفت تراقب.
    توتر جسدي.
    ورآها مصطفى أيضًا.
    استمرت الأغنية، لكن كل شيء صمت في داخلي.
    رفعت أمي يدها.
    لم أعرف هل كانت تحيي أم تطلب الإذن.
    لأول مرة، لم أركض لأفسر ألمها.
    لم أفتح الباب.
    لم أصرخ.
    لم أشتمها.
    فقط وقفت بينها وبين ابني.
    أمسك مصطفى يدي.
    سأل بهدوء
    ممكن تدخل؟
    انحنيت إلى مستواه.
    قلت
    هذا القرار ليس حملك.
    سأل
    وحملك أنتِ؟
    نظرت إلى المرأة التي أنجبتني، وإلى الطفل الذي أقسمت أن أحميه.
    قلت
    نعم، حملي أنا.
    مشيت إلى الباب الخارجي.
    كانت عينا أمي رطبتين.
    قالت
    زينب… أنا فقط أردت أن أراه من بعيد.
    قلت
    رأيتِه.
    قالت
    هو حفيدي.
    أخذت نفسًا عميقًا.
    قلت
    لا. هو مصطفى. واسمه يُقال كاملًا.
    ابتلعت ريقها بصعوبة.
    قالت
    مصطفى.
    نطقت الاسم كأن الكلمة تخدش لسانها.
    لثانية واحدة، كادت تبدو نادمة.
    كادت.
    لكنني لم أعد أعيش على كادت.
    قلت
    يومًا ما، إذا قال المختصون إن الأمر آمن، وإذا أراد هو، ربما يمكنك أن تكتبي له رسالة. بلا لوم. بلا مطالب. وبلا أن تجعلي نفسك ضحية.
    بكت أمي.
    قالت
    وأنتِ؟ لن تسامحيني أبدًا؟
    نظرت إلى الحوش.
    كان مصطفى يطفئ الشموع. أصدقاؤه يصفقون. وكرار يقفز بجانبه. كان البيت ممتلئًا بالضوء، لا بالخوف.
    قلت
    أنا تركتكِ يا أمي. لا تخلطي بين هذا وبين أن أفتح لك الباب.
    أغلقت الباب الخارجي.
    هذه المرة، لم يكن صوت الحديد كالعقوبة.
    كان مثل حد واضح.
    عدت إلى الحوش، وركض مصطفى نحوي وفمه ملطخ بالكريمة.
    قال
    ماما، تمنّيتي أمنية؟
    قلت
    مو عيد ميلادي.
    قال
    تمني رغم ذلك.
    احتضنته بقوة، وأنا حريصة ألا أؤلم أي جرح، لأن بعض الجروح ما زالت تلتئم من الداخل.
    أغمضت عيني.
    لم أطلب مالًا.
    ولم أطلب انتقامًا.
    ولم أطلب أن يختفي الماضي.
    طلبت فقط ألا يسألني ابني مرة أخرى إن كان يستحق ضربة.
    وعندما فتحت عيني، كان مصطفى قد وضع السيارة الحمراء على الطاولة بجانب السيارة الجديدة. رتب السيارتين أمام الكعكة، كأنهما حارسان لمملكة صغيرة.
    قال
    بابا جاء أيضًا.
    نظرت إلى البيت.
    بيتنا.
    السقف الذي تركه علي.
    الملجأ الذي تعلمت أن أدافع عنه.
    ولأول مرة منذ سنوات طويلة، لم أشعر بالخجل من وجودي هناك.
    شعرت أنني ثابتة.
    شعرت بالقوة.
    شعرت أن البنت التي كنتها، والأرملة التي كانت ترتجف، والأم التي حملت ابنها النازف إلى المستشفى، كلهن يحتضن بعضهن داخلي.
    العائلة تظاهرت بأنها لم ترَ الدم.
    لكنني رأيته.
    ومنذ تلك الليلة، لم أعد أنظر بعيدًا أبدًا.


    :. كاتب الموضوع HS Admin ، المصدر: صفعت أمي ابني أمام الجميع… لكنهم صُدموا عندما اكتشفوا لمن يعود هذا البيت! .:

    wtuj Hld hfkd Hlhl hg[ldu… g;kil wE]l,h uk]lh h;jat,h glk du,] i`h hgfdj!


    اضافة رد جديد اضافة موضوع جديد



    المواضيع المتشابهه
    عنوان الموضوع الكاتب الردود الزوار آخر رد
    كنت عاجزًا عن شراء دواء ابني... ثم وجدت سوارًا ذهبيًا غيّر حياتي بالكامل! HS Admin
    0 8 HS Admin

    الكلمات الدلالية
    الجميع… ، صُدموا ، اكتشفوا ، البيت! ،