عمر بن عبدالعزيز بن مَرْوان بن الحَكَم القُرشي الأُمَوي، وُلِد بالمدينة النبوية، وقيل: بمصر سنة 61 للهجرة تقريبًا، وأمه هي أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب، حفظ في صغره كتاب الله، وسمع الحديث من بعض الصحابة؛ كأنس بن مالك، وأخذ العلم عن بعض التابعين؛ كسعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعُبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، والزُّهْري، وصالح بن كيسان، وكان بجبهته أثر حافر دابة أصابته وهو صغير، فسُمِّي: أشج بني أمية.
زوَّجه الخليفة عبدالملك بن مَرْون ابنته فاطمة، وولَّاه الخليفة الوليد بن عبدالملك إمرة المدينة وعمره 25 عامًا من سنة 86 إلى سنة 93 هجرية، وحجَّ بالناس غير مرة، ثم عزله الوليد وأمره أن يقدم الشام، وأصابته محنة صبر فيها، ثم كان وزيرًا ومستشارًا للخليفة سليمان بن عبدالملك، ولما حضرت سليمان الوفاة سنة 99 أوصى أن يكون الخليفة بعده عمر بن عبدالعزيز، فخطب الناس وقال: لست بخيرٍ من أحدٍ منكم، ولكني أثقلكم حِملًا، لست بمبتدعٍ ولكني متَّبِع، مَن صحِبنا فليصحبنا بخمس، وإلا فلا يقربنا: يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا الرعية، ولا يعترض فيما لا يعنيه.
وقرَّب الخليفة عمر بن عبدالعزيز العلماء منه، وكان يستشيرهم ويطلب النصيحة منهم ولو بالكتابة، واجتهد في ردِّ المظالم، وبدأ بأهل بيته، وأعطى الرعية حقوقهم حتى كان يعطي المولود عطاءه، وقال: هو مالُكم نرده عليكم، وولَّى العلماء والصالحين، وأرسل بعض العلماء والدعاة إلى البوادي ليُعلِّموا الناس العلم، وكان يوصي ولاة الأمصار بالعدل والإحسان إلى الناس، وكان كثير البكاء خوفًا من الله، كثير الدعاء، وزَهِد في الدنيا وهي بين يديه، فحين استُخلِف باع جميع ما يملكه من الفضول التي يستغني عنها فبلغت قيمتها ثلاثة وعشرين ألف دينار من الذهب، فتصدَّق بها كلها، حتى كان لا يجد في بعض الأيام درهمًا.
قال مالك بن دينار: الناس يقولون: إني زاهد، إنما الزاهد عمر بن عبدالعزيز الذي أتته الدنيا فتركها.
وقال مكحول: ما رأيت أزهد ولا أخوف لله من عمر بن عبدالعزيز.
وقال عطاء بن أبي رباح: حدثتني فاطمة امرأة عمر بن عبدالعزيز أنها دخلت عليه وهو جالس في مصلاه تسيل دموعه على لحيته، فسألته عن سبب بكائه فقال: يا فاطمة، إني تقلدت من أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم أسودها وأحمرها، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، والمظلوم المقهور، والغريب الأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، في أقطار الأرض وأطراف البلاد؛ فعلمت أن ربي سائلي عنهم يوم القيامة، فخشيت ألَّا تثبت لي حجة، فرحمت نفسي فبكيت.
قال مهاجر بن يزيد العامري: بعَثنا عمر بن عبدالعزيز فقسمنا الصدقات، فلقد رأيتنا وإنا لنأخذ الزكاة في العام القابل ممن تصدقنا عليه في العام الماضي.
وقال عمر بن أُسيد: ما مات عمر بن عبدالعزيز حتى جعل الرجل يأتينا بالمال العظيم فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما يبرح يرجع بماله كله، قد أغنى عمر الناس.
قال محمد بن علي الباقر: عمر بن عبدالعزيز نجيب بني أمية.
وقال ميمون بن مهران: كان عمر بن عبدالعزيز معلِّم العلماء، وكان العلماء معه تلامذة.
وقال رجل لعمر بن عبدالعزيز: لو تفرغت لنا، فقال: وأين الفراغ؟ ذهب الفراغ فلا فراغ إلا عند الله، وكان يكثر أن يقول: اللهم سلِّم، اللهم سلِّم، وقال له رجل: أبقاك الله، فقال: هذا قد فُرِغ منه، ادعُ لي بالصلاح.
قال الأوزاعي: قال عمر بن عبدالعزيز: ما أحب أن تُهوَّن عليَّ سكراتُ الموت؛ إنه آخر ما يُكفَّر به عن المسلم.
قال النووي: أجمعوا على جلالته وفضله، ووفور علمه، وصلاحه، وزهده، وورعه، وعدله، وشفقته على المسلمين، وحُسْن سيرته فيهم، وبذلِ وسعِه في الاجتهاد في طاعة الله، وحرصِه على اتِّباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بسُنَّته وسُنَّة الخلفاء الراشدين.
وقال الذهبي:
هو الإمام، الحافظ، العلَّامة، المجتهد، الزاهد، العابد، السيد، أمير المؤمنين حقًّا، الخليفة، الزاهد، الراشد، كان حسن الخَلق والخُلق، كامل العقل، حسَن السمت، جيد السياسة، حريصًا على العدل بكل ممكن، وافر العلم، فقيه النفس، ظاهر الذكاء والفهم، أوَّاهًا، منيبًا، قانتًا لله حنيفًا، زاهدًا مع الخلافة، ناطقًا بالحق مع قلة المعين، وكثرة الأمراء الظلمة الذين ملُّوه وكرهوا محاققته لهم، ونقصَه أعطياتهم، وأخذه كثيرًا مما في أيديهم مما أخذوه بغير حق، فما زالوا به حتى سقوه السم، فحصلت له الشهادة والسعادة، وعُدَّ عند أهل العلم من الخلفاء الراشدين، والعلماء العاملين.
ومن أقوال عمر بن عبدالعزيز ومواعظه:
ليس تقوى الله بصيام النهار وقيام الليل والتخليط فيما بين ذلك، ولكن تقوى الله ترك ما حرم الله، وأداء ما افترض الله، فمن رزق بعد ذلك خيرًا فهو خير إلى خير.
وقال: من أكثر ذكر الموت رضي بالقليل، ومن علم أن الكلام من عمله أمسك عن الكلام إلا فيما يعنيه.
وكتب عمر بن عبدالعزيز إلى بعض عُمَّاله:
أوصيك بتقوى الله عز وجل، والاقتصاد في أمره، واتِّباع سُنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم، وترك ما أحدث المحدثون بعده مما قد جرت سنته، وَكُفُوا مؤنته، فعليك بلزوم السُّنَّة؛ فإنها لك بإذن الله عصمة، فإن السابقين عن علم وقفوا، وببصر ناقد كفوا، وكانوا هم أقوى على البحث لو بحثوا.
وكان عمر بن عبدالعزيز يقول:
سنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سُننًا الأخذ بها تصديقٌ لكتاب الله، واستكمالٌ لطاعة الله، وقوةٌ على دين الله، ليس لأحد تغييرُها وتبديلُها ولا النظر فيما خالفها، من عمل بها مهتدٍ، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتَّبَع غير سبيل المؤمنين، وولَّاه الله ما تولَّى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا.
توفي عمر بن عبدالعزيز رحمه الله في قرية قريبة من حِمْص سنة 101 هجرية وعمره 39 عامًا، وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر نحو خلافة أبي بكر الصديق.
وقرأ حين حضرته الوفاة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: 83].