من هو عبد الله بن حذافة؟
هو عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي، أبو حذافة، أحد السابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، وكان من رجال الدعوة، فقد أرسله النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى ملك الفرس برسالة الإسلام، فمزق كسرى الكتاب فدعا عليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يمزق الله ملكه، فكان كما قال.
في زمن الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أُسر عبد الله بن حذافة في أحد المعارك، وأُخذ إلى ملك الروم، فدار هذا الحوار الخالد:
قال له الملك: "تنصّر، وأعطيك نصف ملكي!".
فقال عبد الله: "لو أعطيتني جميع ملكك وملك العرب، ما تركت دين محمد طرفة عين!"
فقال: "إذاً أقتلك!"
قال: "أنت وذاك."
فصلبوه، وأمر الملك الرماة أن يرموا قريبًا من جسده، ثم أمر بغلي زيت، وألقى فيه أسيرًا من المسلمين، فرآه عبد الله يغلي حتى تلاشى، فبكى.
ظن الملك أنه جزع، فلما سأله، قال عبد الله:"والله، ما بكيت جزعًا، وإنما تمنيت أن يكون لي بعدد شعري أنفس تُلقى في هذا في سبيل الله."
فقال الملك:" هل تقبل رأسي وأطلقك؟"
قال عبد الله: "وعن جميع الأسرى؟"
قال: نعم. فقال: "نعم، أقبل" فقبّل رأسه، فأطلقه وأطلق الأسرى.
فلما رجع عبد الله بالمسلمين إلى المدينة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"حقٌ على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة، وأنا أبدأ!" فقام عمر فقبل رأسه.
وفاته:
مات عبد الله بن حذافة في خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، بعد أن ضرب للعالمين أروع أمثلة الثبات والعزة والكرامة.
يا الله… كم من مواقف الصحابة تعلمنا العزة؟
وكم من بطولةٍ تُحيي القلوب بعد غفلتها؟
أهم الدروس والعبر من سيرته:
1. الثبات على الدين أمام الفتنة:
قال له ملك الروم "تنصّر وأنا أطلقك"، فقال عبد الله: "والله لا أترك ديني لحظة واحدة".
2. الذكاء والحنكة في المواقف الصعبة:
حين أراد قيصر فتنة المسلمين بوسائل متنوعة، أظهر عبد الله بن حذافة من الحكمة والذكاء ما أذهل الروم. صبر، وناور، وفاوض حتى أنقذ نفسه وأصحابه.
3. طاعة ولي الأمر في غير معصية:
ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن حذافة في سرية، فغضب وقال للجنود: "أوقدوا نارًا، فادخلوها" فهمّ بعضهم بالدخول، وقال آخرون: "إنما آمنا هربًا من النار".
فلما عادوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو دخلوا فيها ما خرجوا منها، إنما الطاعة في المعروف".
4. الاعتزاز بالإسلام في كل موقف:
عبد الله لم يخف من الموت، ولا من التهديد، ولا من الإغراء، بل بكى حين شعر أن الموت قد يفوته قبل أن يُقتل في سبيل الله!
عبد الله بن حذافة السهمي ليس مجرد اسم في كتب السير، بل هو أنموذج للمؤمن الثابت الذكي المقدام، الذي يُضحّي بعزّة نفسه لأجل إخوانه، ويثبت في أحلك الظروف، ويعلّمنا أن الإسلام أغلى من الروح، وأن الثبات عليه شرف لا يُضاهى.
نسأل الله أن يرزقنا صدق الثبات، وأن يجعلنا من الذين قال فيهم:
اللهم ارزقنا صدق الإيمان، وثبات عبد الله بن حذافة، وعزّة عمر، ويقين بلال، وشجاعة خبيب، ورضا الصحابة أجمعين. اللهم اجعلنا ممن يتأسون بهؤلاء الكرام، واملأ قلوبنا حُبًّا لهم، واتباعًا لسنتهم، وارزقنا صحبتهم في الفردوس الأعلى.