لطالما اعتمد كثير من الناس على الأسباب المادية وحدها، أو تركوا الأسباب بدعوى التوكل، وفي هذا وذاك خطأ فكري وسلوكي بيِّن، والصحيح هو الجمع بينهما؛ فقد جعل الله تعالى لكل شيء سببًا، وأودع فيه الأسباب الموجبة لحصول النتيجة المترتبة على ذلك السبب بمشيئته وإرادته.
فالأسباب والمسببات ثلاثة: السبب فعل العبد، والمسبب النتيجة الحاصلة، والمسبب الله وحده الذي إن شاء أنتج السبب أثره وإن شاء حبسه، وهو سبحانه خالق السبب والمسبب.
فالإسلام يأمرنا بالأخذ بالأسباب والتوكل على الله، جامعين بين الجانبين المادي والإيماني؛ وما على المرء إلا الاستعانة بالله في شؤونه كلها؛ فهو المدبر وحده، الداعي عباده إلى التسليم لأوامره، والرضا بقضائه وعدله.
إن الإسلام حث على المضي قدمًا نحو الأخذ بالأسباب مع الاعتماد على الله؛ قال تعالى:
﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ [آل عمران: 159].
قال ابن عاشور في «التحرير والتنوير»:
«وقوله: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾: فإذا عزمت فبادر ولا تتأخر وتوكل على الله، لأن للتأخر آفات، والتردد يضيع الأوقات... وقوله: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ لأن التوكل علامة صدق الإيمان، وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته، واعتقاد الحاجة إليه، وعدم الاستغناء عنه، وهذا أدب عظيم مع الخالق يدل على محبة العبد لربه، فلذلك أحبه الله».
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان))؛ [رواه مسلم (2664)].
يستفاد من هذا الحديث الشريف ما يأتي:
(الدرر السنية، الموسوعة الحديثية، بتصرف وزيادة):
أولًا: تفضيل المؤمن القوي على المؤمن الضعيف، يبين لنا النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن المؤمن القوي في إيمانه، وعزيمته، وطاعته، وتقربه إلى الله، خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف؛ مع ثبوت الخيرية في كليهما لاشتراكهما في أصل الإيمان، غير أن القوة المحمودة هنا هي قوة الإيمان، والعمل، ومضاء العزيمة، لا قوة البدن مجردةً عن الدين.
ثانيًا: الأخذ بالأسباب مع الاستعانة بالله، الإنسان مأمور شرعًا بالأخذ بالأسباب، بيد أن الأسباب وحدها لا تستقل بالنفع دون أمر مسببها، والله تعالى هو خالق الأسباب ومسببها، فالشرع الحكيم لم يترك الإنسان في هذه الحياة سدًى، بل أرشده إلى ما يصلح شأنه في قضاء حوائجه وسداد أموره، مع اليقين بأن التوفيق لا يتأتى إلا بمعونة الله تعالى وتأييده.
ثالثًا: النهي عن العجز والكسل، نهى الحديث الشريف عن العجز والكسل، وحث المسلم على أن يكون دائب الحركة، متقدًا بالنشاط والجد، ذا همة عالية وعزيمة راسخة لا تفتر، مستصحبًا في حركته وسعيه التوكل على الله والاستعانة به.
رابعًا: عدم التحسر على ما فات، لما كان المرء لا يملك من أمره نفعًا ولا ضرًّا، وكان التوكل على الله وحده، وهو الذي قدر المقادير وحكم؛ فلا ينبغي للمسلم أن ييأس ويندم على ما فاته بعد بذل وسعه؛ فكل شيء يجري في هذا الكون بحكمة بالغة يدبرها الله، ولا يعلم مآلات الأمور وعواقبها إلا هو سبحانه.
خامسًا: سد باب الشيطان بالتسليم للقدر، إن فتح باب التأسف والندم على ما مضى يمنح الشيطان مدخلًا يوسوس فيه للإنسان ليحزنه؛ لذا أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع ما لا نرجوه إلى قول: «قدر الله وما شاء فعل»؛ سكينةً للنفس، وسدًّا لباب الشيطان، وتأكيدًا على أن المؤمن لا يستسلم للجزع أو التسخط، بل يسلم أمره لله اتباعًا ورضًا.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه «زاد المعاد»:
قال تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [المائدة: 11].
«فالتوكل وحده بدون قيام الأسباب المأمور بها عجز محض، فإن كان مع نوع من التوكل عجز، فلا ينبغي للعبد أن يجعل توكله عجزًا، ولا يجعل عجزه توكلًا، بل يجعل توكله من جملة الأسباب المأمور بها التي لا يتم المقصود إلا بها كلها».
فعلى المرء أن يكون كيسًا فطنًا، لا يهرع إلى الأسباب الدنيوية المحضة، بل عليه الركون والاعتماد على مسبب الأسباب وخالقها؛ فكم من أناس اعتمدوا على أنفسهم فحسب، فضلوا سبيل التوفيق والمعونة.
حثنا الدين الإسلامي الحنيف على القوة وإظهارها؛ فلا ضعف ولا تكاسل، بل سعي وصبر ومصابرة ومثابرة، فاستعن بالله ولا تعجز، وسلم أمرك لله، ولا تهمل في الأخذ بالأسباب فأنت مأمور بها شرعًا؛ واعلم أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
فكن ممن يطلب أعلى الدرجات في سلم الإيمان، آخذًا بالأسباب اعتزازًا ومضاءً، متوكلًا على المسبب الحقيقي إيمانًا ويقينًا؛ فبيد الله الأمر كله، وهو سبحانه المستعان وعليه التكلان، وفي هذا التسليم راحة للقلب وطمأنينة للنفس.
﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ [الطلاق: 3].